سياسة

خبراء عسكريون وقانونيون: لا سلام ولا تطبيع بعد الترسيم

موانع ميدانية وسياسية ودستورية تحول دون ذلك

إعلانات

لا زالت الآراء والمقاربات منقمسة حتى الساعة، ومنذ لحظة إعلان اتفاق الإطار لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، حول ما إذا كان هذا “التفاهم” المبدئي قد كسر “المحرمات” أو الخطوط الحمر المرسّمة تاريخياً مع العدوّ اللدود للبنان، وبالتالي مقدمة لإنهاء حالة العداء، أم أنّه مجرد مفاوضات على نزاع حدودي محدّد ينتهي بالتوصل إلى اتفاق على المنطقة الاقتصادية المتنازع عليها في البحر؟

فهل مفاوضات الترسيم القائمة حالياً في الجنوب هي خطوة أولى على طريق التطبيع؟ وما الفرق بين الهدنة والسلام والتطبيع من منظار القانون الدولي؟ وبأيّ خانة يمكن إدراج ما يجري على الحدود؟ علماً أن لبنان شارك في مفاوضات مدريد عام1991، وفي اجتماعات اللجنة الثلاثية (لبنان إسرائيل الأمم المتحدة) التي تنعقد بشكل دوري منذ صدور القرار 1701؛ واستطراداً ماذا بعد الترسيم؟

 الترسيم لن يؤدي إلى سلام

أشار الخبير العسكري والاستراتيجي الدكتور أمين حطيط لـ”أحوال”، إلى أنّ على لبنان التمسّك بموقفه وثواتبه الوطنية والقانونية، في جلسات المفاوضات حول ترسيم الحدود، سيما المرجعيات الدولية وأهمها اتفاقية بولين نيوكمب واتفاقية الهدنة عام 1949، لأنّ ذلك يثبت حقه أولاً في حدوده البرية المرسّمة أصلاً وبالحدود البحرية التي لا وجود لها في السابق.

ولفت العميد حطيط إلى أنّه لا يمكن اعتبارها مفاوضات سلام أو تطبيع، لكن على الجانب اللبناني المفاوض ومن خلفه الدولة والحكومة اللبنانية المقبلة، أن يأخذوا الحذر من مناورات العدو السياسية، سيّما تحوير هدف المفاوضات وتحويلها من ترسيم الحدود البحرية إلى دفع لبنان للتنازل عما تعتبره حقها في حقول الغاز في كاريش و”التمساح”، وحصر التفاوض في منطقة النزاع ومساحتها 860 كيلو متر مربع.

الفرق بين الهدنة والسلام والتطبيع

من جهة أخرى، فرّق أستاذ القانون الدولي حطيط بين مصطلحات الهدنة والسلام والتطبيع، فالهدنة تعني وقف المعارك والأعمال العسكرية بين عدوين، أمّا السلام فهو إسقاط حالة العداء من دون إقامة العلاقات الطبيعية، كحال مصر التي عقدت اتفاقية سلام لا تطبيع. أمّا التطبيع، فيعني إسقاط حالة العداء وإقامة علاقات ديبلوماسية وعادية بين عدوين، أيّ الإنتقال من الحرب إلى الهدنة إلى السلام فالتطبيع.

عبد القادر: موانع تحول دون التطبيع

الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية الدكتور نزار عبد القادر، أشار لـ “أحوال” إلى أنّ مفاوضات ترسيم الحدود هي مفاوضات خاصة ضمن ما يسمّى باللجان العسكرية الثلاثية التي تجتمع في الناقورة، برعاية الأمم المتحدة؛ مردفاً أنّ الجديد في المفاوضات الحالية، هو وجود وسيط أميركي يحضر الجلسات. وأوضح العميد عبد القادر أنّ الهدف منها تقني محصور بترسيم الحدود.

لكن من هي الجهة الرسمية المخوّلة التوقيع على اتفاقية وعلى أي مستوى؟ وهل يجب أن يكون التمثيل سياسياً لتصبح اتفاقية مبرمة ومسجّلة لدى الأمم المتحدة أم يمكن الإكتفاء بتوقيع الوفد العسكري؟

بحسب عبد القادر، فإنّ رئيس الجمهورية هو الجهة الدستورية المخوّلة التوقيع على الاتفاقيات الدولية، ثم عرضها على مجلس الوزراء، ومن ثم إرسالها إلى الأمم المتحدة، لكن ذلك بحسب عبد القادر لا يعني اعتراف لبنان بإسرائيل.

فما هي الموانع الداخلية التي تحول دون التطبيع؟

لفت عبد القادر في هذا السياق، إلى أنّ وجود المقاومة في الجنوب، سيّما وأنّها تدور في فلك محور تتزّعمه إيران، يجعل لبنان خارج الحالة السياسية التي تنخرط بها الدول العربية والخليجية؛ علاوة على وجود مانع دستوري يرتبط باللاجئين الفلسطينيين والمخاوف من توطينهم، ما يحتّم على لبنان رفض أي سلام مع إسرائيل قبل عودة اللاجئين إلى بلدهم.

جوني: المفاوضات ستنتهي بـ1701 بحري

في هذا السياق، لفت أستاذ القانون الدولي حسن جوني لـ “أحوال” إلى أنّ “مفاوضات الترسيم لن تؤدّي إلى تطبيع أو سلام مع إسرائيل، لا من حيث الشكل ولا المضمون؛ موضحاً في هذا الاطار أنّ عبارة “إسرائيل” التي وردت في اتفاق الاطار الذي تلاه الرئيس نبيه بري، لا تعني اعتراف بإسرائيل حتى لفظياً، لأنّ برّي كان يقرأ بلغة نص الأمم المتحدة وليس بلغته الخاصة، مذكّراً بأنّ جميع الشكاوى التي يرسلها لبنان إلى الأمم المتحدة ترِد فيها كلمة إسرائيل، لأنّ الأمم المتحدة تعترف بإسرائيل كدولة”.

ولفت جوني إلى أنّ “لبنان رفض المطلب الإسرائيلي اللجوء إلى التحكيم الدولي وإلى المحاكم الدولية (محكمة العدل الدولية أو محكمة البحار)، لأنّ التحكيم يُعتبر اعترافاً، كون المادة 34 من نظام المحكمة تنصّ على أن “لا يمثُل أمامها إلا الدول”؛ وفي هذه الحالة، لو وافق لبنان يعني اعترافه بإسرائيل. كما اعتبر جوني أنّ ترسيم الحدود ليس اعترافاً بإسرئيل، بل لبنان يرسم الحدود اللبنانية الفلسطينية مع الكيان المحتل.

وحول شكل المفاوضات ومعانيها، أوضح الخبير القانوني أنّ القاعة التي تُقام فيها الجلسات تشبه القاعة التي تجمع اللجنة الثلاثية اللبنانية الإسرائيلية والأمم المتحدة منذ صدور القرار 1701، إضافة إلى أنّ الكلام يتم بشكل غير مباشر.

الخبيران المدنيان يعملان لدى الجيش

أما لجهة الشخصيات المدنية المشاركة في الوفد، فأوضح جوني أنّ الخبيرين شباط ومسيحي يعملان لدى قيادة الجيش، وهما ضمن وفد يقوده ضابط عسكري ويعملان بإمرته، كما أوضح أنّ الجيش بإمكانه الإستعانة بخبراء تقنيين، وفي القانون الدولي حول قضايا مختصة. وأشار إلى أنّ اتفاق الاطار لم يذكر مرجعية قانون البحار لأن إسرائيل ليست طرفاً في هذه الإتفاقية.

إلى ذلك، أكّد جوني أنّ المفاوضات ستنجح بسبب الضغط الدولي وحاجة شركات النفط الكبرى، الذين يرون في المياه الاقليمية في المتوسط فرصة هامة وحيوية للاستثمار، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تواجهها دول الغرب؛ مستدركاً بأنّه لولا وجود قوة المقاومة والخوف الإسرائيلي باستهداف منصات النفط الإسرائيلية، لما حصلت المفاوضات؛ مردفاً أنّ إسرائيل لا يمكنها استخراج النفط من دون اتفاق مع لبنان.

وبرأي جوني، فإنّ المفاوضات ستنتهي بتفاهم على ترسيم الحدود البحرية برضا لبناني، كما حصل في البرّ بما يشبه اتفاق 1701 بحري أو اتفاقية 1949، وليس بالضرورة أن يتضمن ذلك نصاً مكتوباً بل اتفاقاً ضمنياً مدوّناً في الأمم المتحدة، وبالتالي لا يرقى إلى مستوى معاهدة أو اتفاقية بل ورقة تفاهم.

حقيقة المفاوضات حول الجولان المحتلّ

وفي ظل معلومات غير مؤكدة عن مفاوضات قد تجري بين سوريا وإسرائيل حول الجولان المحتلّ، طرح جوني السؤال التالي: لماذا تتحرّك ملفات التفاوض على الحدود بين لبنان وإسرائيل مع مشروع التطبيع العربي الإسرائيلي؟

بالمقابل، رأى العميد حطيط أنّه من الصعب أن تنخرط سوريا بمفاوضات مع إسرائيل حول الجولان، قبل أن تتمكّن دمشق من إنهاء الحرب العسكرية الإرهابية عليها، واستعادة التماسك الداخلي، وبسط سيطرتها على كافة أراضيها؛ مضيفاً أنّ التطوّرات وموازين القوى الميدانية والسياسية خلال العقد الماضي، تمنح سوريا قوة تفاوضية وصموداً إضافياً لرفض أيّ تنازل وسلام وتطبيع مع إسرائيل؛ فيما ذكّر جوني بوجود قرار صادر عن الأمم المتحدة في العام 1981 بانسحاب اسرائيل من الجولان، وبالتالي فإنّ سوريا لن تتفاوض على الجولان بل ستنفذ قراراً أممياً.

محمد حمية

اظهر المزيد

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى