سياسة

حركة أمل استعرضت قوّتها الأمنية في صور: عندما غيّر قرار هيئة الرئاسة “مستقبل” الحركة

منتصف آب أعلنت هيئة الرئاسة في حركة أمل نيّتها تنظيم مهرجان جماهيري مركزي في ذكرى اختطاف الإمام موسى الصدر ورفيقيه في ساحة القسم في مدينة صور، بعد أن كانت كل المعطيات تُشير الى عدم وجود نيّة لذلك، واليوم بعد الإنتهاء من الذكرى يمكن القول بصراحة أن قرار هيئة الرئاسة غيّر “مستقبل” الحركة الذي يعتبره البعض بخطر، خاصة أن أشدّ المتفائلين لم يتخيلوا الحشد الجماهيري الكبير الذي قصد مدينة صور للتعبير عن انتمائه.

جعل قرار هيئة الرئاسة المكاتب المركزية المعنية بالتنظيم أمام مهلة 15 يوماً فقط لإنجاز الترتيبات التي عادة ما كانت تحتاج الى اكثر من 20 يوماً من العمل المتواصل، بدءاً من كتابة الدعوات ورسم “لوغو” الذكرى، وصولاً الى ترتيب الكراسي في ساحة المهرجان، وهو العمل الذي يُنجز قبل ساعات فقط على انطلاق الإحتفالية.

هذا التحدي وضع المكاتب المركزية أمام مسؤولية كبيرة، تقول مصادر قيادية في حركة أمل عبر “أحوال”، فلا مكان للإخفاق في هذا الأمر، خاصة بظل وجود معلومات عن احتمال إجراء تغييرات في الهيئة التنفيذية للحركة، علماً أنه بحسب المصادر أن رئيس الحركة نبيه بري لا يتهاون إطلاقاً مع أي تقصير تجاه ذكرى الإمام الصدر، لذلك تحولت المكاتب الى خلايا نحل، لتركيب الساحة والخلفيات، وتأمين المتطلبات اللوجستية على أنواعها، فظهرت الساحة في 31 آب، بوجود الجماهير الغفيرة، ساحة نصر لحركة أمل على أكثر من صعيد.

حضور أمني كثيف برسائل متعددة

عندما كانت الفرقة الموسيقية التابعة لكشافة الرسالة الإسلامية تتدرب على الأناشيد ليلة 31 آب في باحة المهرجان، أُقفلت الشوارع الرئيسية التي توصل الى ساحة القسم في مدينة صور بواسطة الشاحنات الكبيرة، وبدأت الفرق الأمنية بتفعيل خطة عملها تمهيداً لبدء استقبال الجماهير والوفود المشاركة في الذكرى 44 لإختطاف الإمام موسى الصدر ورفيقيه.
فجر الأربعاء، انتشر في مدينة صور وضواحيها القريبة ما يزيد عن 4100 شاب حركّي بلباسهم العسكري الموّحد، لتأمين الشوارع، وبعضهم كان عبارة عن فرق خاصة متّشحة بالسواد مع أغطية على الرأس ومسلّحة بالكامل، تمركزت في مناطق معينة لها رمزيتها في المدينة، كمدخل مبنى إقليم جبل عامل على سبيل المثال، كذلك كان لافتاً التمويه الذي اعتُمد للسيارات رباعية الدفع التي تمركزت على جوانب الطرق والمفارق، واللافت أكثر أن هذا “الجيش” الأمني ينتمي الى إقليم واحد فقط، فالمسؤول العسكري للحركة في إقليم جبل عامل اخذ على عاتقه تأمين العناصر الأمنية المجهزة والمدربة للقيام بالعمل، وهذا ما يحمل رسائل أبرزها جهوزية الحركة أمنياً، وتالياً عسكرياً لأي تطورات، سواء كانت داخل المدينة التي تشهد بروز عصابات مسلحة تتنافس على السلطة فيما بينها، أو على صعيد التصعيد المحتمل مع العدو الإسرائيلي، مع الإشارة الى رسالة أخرى حملتها أعمار الشبان الذين تترواح أعمار معظمهم بين الـ 20 و30 عاماً.

تطرّق بري في خطابه الى الوضع الأمني في مدينة صور داعياً الاجهزة الأمنية للتحرك، لكن بحسب المصادر فإن الحركة لن تقف متفرجة على ما يجري بحال لم تقم الدولة بواجباتها كاملة تجاه سكان المدينة ومصالحهم وأمنهم، ولعلّ الانتشار الأمني الكثيف والواسع رسالة أولى الى من يهمه الأمر بأن حركة أمل حاضرة في صور وضواحيها، خاصة بعد المناشدات التي صدرت عن تجار المدينة وناسها لقيادة الحركة بضرورة التحرك.

الإمتحان الشعبي الأول بعد ثورة 17 تشرين
بحسب توقيت إنطلاق الباصات المحدد في المناطق اللبنانية كافة، لم يكن يُفترض أن تدخل الجماهير الساحة قبل الساعة الثالثة عصراً، لكن عند الساعة الثانية بدأت الجماهير تصل الى ساحة الإحتفال بالسيارات الخاصة، والفانات والباصات، وسيراً على الأقدام، كالشاب الذي انتقل من الصرفند الى صور مشياً على الأقدام، حاملاً علماً كبيراً لحركة أمل والإمام موسى الصدر.

غصّت الساحة بالجماهير حتى بات من الصعب للغاية على المنظمين منع الجمهور من “احتلال” المساحة المخصصة للفعاليات النقابية والبلدية والاختيارية والإدارية، فكان الحضور بحسب كل المراقبين من الأضخم حركياً في السنوات الماضية، وتمكّنت حركة أمل من النجاح في هذا الاستحقاق الكبير رغم التشكيك الذي رافق نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة والتي رأى فيها البعض تراجعاً لشعبية الحركة، ورغم خوف بعض القادة الحركيين أنفسهم من القدرة على الحشد الجماهيري، علماً أن هؤلاء يخشون الاحتفالات الكبرى بسبب تقصيرهم في أعمالهم وخشيتهم من الإضاءة على هذا التقصير من خلال ضعف الحضور الجماهيري.

بعيداً عن كل المواقف السياسية الهامة التي جاءت في خطاب رئيس المجلس، والتي تحتاج الى أسبوع كامل من التحليل والقراءة لسبر أغوارها كاملة، كانت الحركة أمام تحدّ كبير، فهذا المهرجان غاب عامي 2020 – 2021، بسبب الظروف الصحية، وآخر ذكرى شعبية كانت في النبطية في 31 آب 2019، أي قبل شهرين تقريباً على ثورة 17 تشرين التي كانت حركة أمل أبرز المستهدفين فيها، من قبل الثوار أنفسهم أو من قبل أهل البيت الواحد الذين ما تركوا فرصة لتحميل الحركة مسؤولية فشل الدولة إلا وانتهزوها، وبالتالي كانت قيادة حركة أمل مدركة للتحدي، خاصة أن كثيرين يتحدثون عن شعبيتها المتراجعة، وعدم قدرتها على جذب الأجيال الجديدة، لذلك كان للذكرى الأربعاء الماضي، من حيث الشكل، وبعد 3 أعوام تقريباً على الحراك الشعبي وكل ما رافقه، نتائج كبيرة يمكن اختصارها بحسب اوساط قيادية في الحركة، بما قاله رئيسها نبيه بري: “اكتبوا ما شئتم، ها هي حركة أمل كموج البحر لا تهدأ ولن تتوقف … والله لن تمحو ذكرنا ولن تميتوا وحينا”.

نجحت الحركة في الامتحان الشعبي الأول بعد ثورة 17 تشرين، كما نجحت في إثبات حضورها على الساحة الشيعية رغم محاولات ضربه، وبحسب معلومات خاصة لـ”أحوال” فإن بري بصدد إطلاق تحرك حكومي في وقت قريب، يعمل اليوم على تهئية ظروف إطلاقه، وهو لاعب أساسي محوري في عملية انتخاب رئيس الجمهورية، وبناء التسوية مستقبلاً، ولا شكّ أن رئيس حركة أمل سيستفيد من الزخم الشعبي الكبير الذي حصل عليه في 31 آب للمضي قدماً في المحافظة على دور الحركة في مستقبل السياسة اللبنانية، وهو يعوّل بشكل أساسي على تحسّن العلاقة بين السعودية وإيران، وهو ما يُراهن عليه دوماً على اعتبار أن لبنان بحاجة ماسة الى دعم العرب ولا يمكن أن يكون في موقع المعادي لهم.

محمد علوش

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق وشهادة الماستر في التخطيط والإدارة العامة من الجامعة اللبنانية. بدأ عمله الصحافي عام 2011، وتخصص في كتابة المقالات السياسية المتعلقة بالشؤون اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى