اقتصاد

مصرف لبنان من التدقيق الجنائي إلى المالي والاحتيال على قدم وساق

إعلانات

أعلن مصرف لبنان في بيانٍ له، وفقاً لما تعهّد به في كتابه الموجّه إلى وزير المالية بتاريخ 8/10/2020، “سلّم مفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان بتاريخ 27/10/2020 المستندات والمعلومات المطلوبة من قبل شركتي Oliver Wyman وKPMG  نظراً إلى عدم تعارضها مع القوانين اللبنانية النافذة”.  وكان مجلس الوزراء قد وافق بتاريخ 21 تموز المنصرم على التعاقد مع الشركتين المذكورتين للقيام بمهام تتعلّق بالتدقيق الحسابي والمالي في حسابات مصرف لبنان، حيث وقّع وزير المال معهما في أول أيلول عقد التدقيق. فهما هي خلفية هذه المعلومات التي أعلن عنها مصرف لبنان؟

 Oliver Wyman: شركة استشارات إدارية

تُعتبر شركة أوليفر وايمان شركة استشارات إدارية رائدة على مستوى العالم؛ حيث تتوزّع مكاتبها في أكثر من 50 مدينة في 25 دولة حول العالم، وهي تجمع ما بين المعرفة المتعمقة بشؤون هذا القطاع، مع الخبرة المتخصصة في كل من مجالات التخطيط الاستراتيجي والعمليات التشغيلية، إدارة المخاطر، التحوّل التنظيمي وتطوير القيادة. وتقدّم المشورة في استراتيجيات النمو وإعادة التنظيم والتطوير، وتخطيط المشاريع الجديدة ودعم انطلاقتها، وتصميم سياسات حوكمة جديدة للشركات. وتساعد المدراء على توقّع التغيّرات في أولويات زبائنهم ومعرفة البيئة التنافسية، ومن ثم مساعدتهم في تنظيم أعمالهم وتحسين عملياتهم وإدارتهم للمخاطر ورفع مستوى أداء مؤسساتهم للاستفادة المثلى من الفرص السانحة. كما تساعد الشركة عملاءها على تحسين أعمالهم التجارية وتطوير عملياتهم التشغيلية وتصوّرهم للمخاطر، والتسريع في أداء هياكلهم التنظيمية.

إلى ذلك، لا يتوقف عملها عند تقديم التوصيات، بل يتخطاه للقيام بخطوات عملية فعّالة من أجل تسريع التنفيذ كذلك. تتمتع الشركة بأكثر من 40 عاماً من الخبرة في مجال الاستشارات، حيث تقدّم خدماتها لحوالي الـ 1000 عميل حول العالم.

شركة KPMG: شبكة خدمات محاسبية

هي شركة هولندية تعمل منذ أكثر من ثلاثمائة عامٍ، وتضم شبكة خدمات مهنية دولية متعددة الجنسيات، وهي إحدى مؤسسات المحاسبة “الأربعة الكبار” ومقرّها في أمستلفين هولندا. لديها أكثر من 219000 موظف وتعمل في 147 دولة ولها ثلاثة خطوط من الخدمات: المراجعة المالية والضرائب والاستشارات. يمثّل إسم KPMG الأعضاء المؤسسين الأساسيين الأربعة للشركة والشركات الأعضاء الخاصة بهم، وهم  Klynveld Peat Marwick Goerdeler.

دور الشركتين

من خلال فهم طبيعة هاتين الشركتين يتضح لنا أنّ دورهما هو استشاري فقط، يقتصر على طبيعة كل شركة وخصائصها وتقديم تقارير تظهر من خلالها طبيعة الحالة التي قاموا بدراستها، واقتراح الحلول المناسبة بما يتناسب مع خصوصية كل حالة.

وبناءً على الاتفاقية مع مصرف لبنان، لن تعمل “كي بي أم جي” كمدقّق قانوني / نظامي لمصرف لبنان؛ بل ستقوم بتدقيق البيانات المالية ذات الغرض الخاص لعام 2020 والمخصصة فقط لمستخدمين محدّدين لمشروع الإصلاح المالي الذي بادرت به وزارة المالية والتي يتحتم عدم استخدامها لأغراض أخرى.

ويقتصر دور “كي بي أم جي” على التدقيق المحاسبي فقط من خلال القيام بعمليات مراجعة الميزانية العمومية الحالية لمصرف لبنان، وإجراء تقييم لبيان الوضع المالي للمصرف، من أجل الحصول على فهم أفضل للأنشطة ولطبيعة المعاملات المنجزة والوضع المالي كما تم تقديمه من قبل مصرف لبنان، وإجراء تدقيق للميزانية العمومية ذات الغرض الخاص لمصرف لبنان كما في 31 كانون الأول 2019، بحيث يشكّل تدقيق الميزانية العمومية ذات الغرض الخاص أساس تدقيق للبيانات المالية ذات الغرض الخاص لعام 2020، والقيام بتطوير الميزانية العمومية المبدئية لمصرف لبنان على أساس مبادئ المحاسبة التي تتبع الممارسات الدولية الرائدة، وكذلك فهم طبيعة الاحتياطي والأصول الأخرى ذات الصلة في مصرف لبنان، وفهم طبيعة أرباح وخسائر مصرف لبنان الماضية.

الشركتان ليستا مسؤولتين عن منع الاحتيال

بحسب العقد – وهنا جوهر المسألة – أنّه في حال اكتشاف عمليات احتيال، فإنّ المدقّق ليس مسؤولاً عن منع الاحتيال، لأنّ التدقيق ليس مصمماً خصيصاً لكشف ذلك، إذ أنّ المسؤولية الرئيسية عن منع الاحتيال واكتشافه تقع على عاتق المصرف. وإذا كان هناك مؤشر أو اشتباه بوجود احتيال، فسيقوم المدقّق بإرسال هذه المعلومات إلى المصرف و / أو وزارة المالية.

وبناءً عليه، فإنّ الضجة التي أثارها مصرف لبنان بإظهار نفسه على أنّه يساعد في عملية التدقيق الجنائي ما هي إلا بروباغندا إعلامية لا تقدم أو تأخر شيئاً في مسار ملاحقة الفاسدين وناهبي المال العام، حيث إنّ ما تقوم به بالأساس هاتان الشركتان هو النظر في البيانات المالية لمصرف لبنان والتدقيق بها محاسبياً، وإعطاء وجهة نظر رقمية فقط دون تقصّي الجرم وملاحقة السارقين واستعادة الأموال المنهوبة، وهذا يصبّ في خانة التدقيق المالي وليس الجنائي.

وما يؤكد على ذلك أيضاً أنّ مصرف لبنان أعلن أنّه قدّم المعلومات بما تسمح به “القوانين النافذة”، مما يعني تقديمه للمعلومات المتاحة أمام الجميع والتغطية والتعتيم على معلومات الفساد والسرقة متسلّحاً بقانون السرية المصرفية وقانون النقد والتسليف. وما تسرّب عن امتعاض شركة “ألفاريز” وهي المولجة بالتدقيق الجنائي ونيّتها التخلي عن مهمتها وفسخ العقد مع وزارة المال بسبب عرقلة عملها وعدم قدرتها في الحصول على المعلومات المطلوبة ما هو إلا أكبر دليل على تفريغ التدقيق الجنائي من محتواه وتحويله إلى تدقيق مالي محسابي رقمي مجرّد.

  د.أيمن عمر

 

اظهر المزيد

أيمن عمر

كاتب وباحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية محاضر في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية له العديد من الأبحاث والمؤلفا

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى