
لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهات منفصلة يمكن احتواؤها عبر هدنة هنا أو اتفاق تهدئة هناك. فالمؤشرات السياسية والعسكرية المتراكمة، إلى جانب ما تنقله تحليلات الإعلام العبري، تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة ترابط الساحات، حيث تتداخل الجبهات وتؤثر كل منها في الأخرى، ما يجعل إنهاء أي جبهة بمعزل عن بقية الجبهات أمراً بالغ الصعوبة.
في هذا السياق، تتحدث بعض التقديرات الإسرائيلية عن احتمال أن تنتهي المواجهة مع إيران في مرحلة ما بتسوية أو وقف للنار، مع انتقال مركز الثقل العسكري لاحقاً إلى الجبهة اللبنانية. غير أن هذا السيناريو لم يعد يُقرأ اليوم وفق المقاربة التقليدية التي تقوم على إدارة الحروب على مراحل، أي إنهاء جبهة والانتقال إلى أخرى، بل بات مرتبطاً بمعادلة أوسع تتعلق بمستقبل الصراع الإقليمي برمته.
في المقابل، ساد قلق داخل بعض الدوائر الإسرائيلية من احتمال أن تقرر الولايات المتحدة في لحظة معينة وقف الحرب مع إيران، تاركة إسرائيل في مواجهة مفتوحة مع طهران أو مع حلفائها الإقليميين. إلا أن هذه المخاوف تراجعت بعد مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أوحت بوضوح أن أي قرار من هذا النوع لن يُتخذ من دون تنسيق كامل مع الحكومة الإسرائيلية، ما أعاد تثبيت معادلة الشراكة في إدارة الحرب.
أولاً: حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل
من منظور واشنطن، لا تبدو هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبار استراتيجي يرتبط بتوازنات القوة في الشرق الأوسط. ولهذا حرص ترامب في أكثر من مناسبة على التأكيد أن أي قرار بوقف الحرب أو تعديل مسارها سيتم بالتنسيق الكامل مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
ويعكس هذا الموقف إدراكاً أميركياً بأن ترك إسرائيل وحيدة في مواجهة إيران قد يفتح الباب أمام نتائج غير محسوبة. فإسرائيل تنظر إلى الصراع مع إيران باعتباره مواجهة ذات طابع وجودي تمس توازنها الاستراتيجي وأمنها القومي على المدى الطويل.
ومن هنا، فإن توصيف الحرب بوصفها “معركة وجودية” يساهم في إطالة أمدها، لأن الحروب التي تُخاض تحت هذا العنوان يصعب إنهاؤها بتسويات جزئية أو حلول مؤقتة، كما يصعب على الحلفاء التراجع عنها من دون تحقيق نتائج واضحة.
ثانياً: الحسابات الإيرانية ومعادلة كسر الاستنزاف
في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة للعودة إلى نمط المواجهة الذي اعتمدته إسرائيل خلال العقود الماضية، والقائم على استراتيجية “جزّ العشب”، أي توجيه ضربات دورية لإضعاف الخصم ثم العودة إلى حالة من الهدوء المؤقت قبل تجدد القتال.
من وجهة النظر الإيرانية، القبول بهذه المعادلة يعني عملياً الدخول في حلقة استنزاف دائمة تتيح لإسرائيل التحكم بإيقاع الصراع. لذلك تسعى طهران إلى أن يقود أي وقف للنار إلى مكاسب سياسية واستراتيجية واضحة، وإلا فإنها ستعتبر أن نتائج الحرب لا تتناسب مع حجم المواجهة التي خاضتها.
ويرتبط هذا الموقف أيضاً بقراءة نقدية لتجارب السنوات الماضية، حيث تعرض حلفاء إيران في أكثر من ساحة – من لبنان إلى سوريا وغزة – لضربات إسرائيلية متكررة، في وقت اختارت فيه طهران أحياناً سياسة “الصبر الاستراتيجي”. لكن التطورات اللاحقة أظهرت، في نظر كثير من دوائر القرار في محور المقاومة، أن هذه المقاربة سمحت لإسرائيل بالتعامل مع كل جبهة على حدة وقضم قدراتها تدريجياً.
ثالثاً: من حرب الجبهات إلى حرب المحاور
انطلاقاً من هذه التجربة، تبدو المرحلة الحالية وكأنها تشهد تحولاً في طريقة إدارة الصراع. فبدلاً من ترك كل ساحة تواجه الحرب منفردة، تتجه القوى المنضوية في محور المقاومة إلى مقاربة تقوم على تلازم الجبهات وربط مصيرها ببعضها البعض.
وفق هذه المقاربة، لا تُعامل الساحات في لبنان أو العراق أو اليمن كملفات منفصلة، بل كأجزاء من معركة إقليمية واحدة. وهذا يعني أن إنهاء القتال في أي ساحة لن يكون ممكناً من دون معالجة بقية الساحات ضمن إطار سياسي وأمني أوسع.
بعبارة أخرى، إذا كانت إسرائيل قد استفادت في السابق من تفكيك الجبهات والتعامل معها واحدة تلو الأخرى، فإن خصومها يحاولون اليوم قلب المعادلة عبر دمج هذه الجبهات في ساحة صراع إقليمية واحدة.
رابعاً: لماذا قد تستمر الحرب؟
في ضوء هذه المعادلات المتشابكة، يبدو أن الحرب الحالية لا تتجه نحو نهاية سريعة. فكل طرف يرى أن التراجع في هذه المرحلة قد يؤدي إلى خسارة استراتيجية كبرى.
إسرائيل تسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة تحدّ من قدرة خصومها على تهديدها مستقبلاً.
وإيران تسعى إلى منع إسرائيل من فرض قواعد اشتباك تمنحها اليد العليا في إدارة الصراع.
أما الولايات المتحدة فتحاول الحفاظ على توازن دقيق بين دعم إسرائيل ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.
خاتمة
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الشرق الأوسط دخل مرحلة مختلفة من الصراع، مرحلة لم تعد فيها الحروب تُدار عبر جبهات منفصلة أو مواجهات محدودة، بل ضمن صراع إقليمي مترابط الساحات تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية.
ولهذا السبب، قد لا تنتهي الحرب الحالية عبر وقف نار موضعي أو تسوية جزئية، بل عبر ترتيبات إقليمية أوسع تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، وتشمل ملفات تمتد من إيران إلى لبنان والعراق وربما إلى ساحات أخرى.



