سياسة

 قراءة جيوسياسية للمبادرتين الفرنسية والأميركية

إعلانات

بات لبنان بأمسّ الحاجة لحلول تقيه حدّة الأزمات الداخلية، من الغلاء المعيشي وارتفاع سعر صرف الدولار إلى النفايات وصولًا إلى أزمة الدواء… ولكن بأي ثمن؟ فبعد تكليف الرئيس سعد الحريري رئيسًا للحكومة، تتمخّض عملية التأليف على نار ملف ترسيم الحدود مع إسرائيل.

في القراءة الجيوسياسية

لا يختلف إثنان على أنّنا على عتبة شرق أوسط جديد، من خلال إرساء السلام وتعزيز نمو اقتصادي مستدام في المنطقة.  فبعد أن بدا إعلان البيت الأبيض في ١٨ أيلول ٢٠٢٠، عن خمسة دول على وشك تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ثلاثة منها في الشرق الأوسط غير واقعي، سرعان ما أنجزت الإمارات وبعدها البحرين اتفاقيات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. واستنادًا إلى تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تبحث إسرائيل اليوم عن فك عزلتها الجغرافية، لتأمين جو من الأمن والرّخاء، أسوة بدول عديدة في العالم. فقد أحكم فيروس كورونا قبضته على الاقتصاد العالمي، الذي سبق وكان متدهورًا في السنوات الأخيرة؛ لذلك أصبح استجلاب المال وتوفير المناخ المناسب للاستثمار كل ما تتطلّع إليه دول العالم. وبالنسبة للدولة العبرية، إسرائيل بلد منتج ومتطور على الصعيد التكنولوجي، ولن تتمكّن من كسب ديمومتها في الوجود ومن بناء اقتصاد قوي إن كانت في حالة عداء مع جيرانها العرب.

انطلاقًا من هنا، يرجّح الناشط الإجتماعي والمناضل في الحزب الجمهوري الفرنسي موسى غانم وهو عضو بلدي لمدينة بوتو، في حديث لـ”أحوال” أنّ ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل سيبدأ بالبحر لأسباب اقتصادية، وسينتقل إلى البرّ لأسباب أمنية، ومن أجل خلق حالة استقرار دائمة تتوق لها إسرائيل، لتجعل من بلدها بلد سياحي بإمتياز، ولتصبح وجهة سياحية خاصة لدول الخليج.

كذلك تؤكد مصادر فرنسية أخرى أنّ إسرائيل بحاجة إلى البترول والغاز الموجود في البحر للمضي في مشروعها ولتحقيق تطلعاتها المستقبلية. ولعلّ انتقال فنادق كبيرة من لبنان للاستثمار في حيفا، في الفترة الأخيرة، أكبر دليل على جدّية المشروع التي تعمل إسرائيل لتحقيقه.

المبارزة الأميركية الفرنسية في لبنان

يمكن القول بأنّ المستفيد من ملف ترسيم الحدود بلدان عديدة، في طليعتها الولايات المتحدة وفرنسا عن طريق الشركات العالمية التابعة لهما، والتي ستكون أول من يضع يده على البترول والغاز الموجود في البحر اللبناني، ومن ضمنها إسرائيل ولبنان الذي يعاني من ضائقة مالية غير مسبوقة، وهذا الموضوع هو وجه من وجوه المبارزة بين الدولتين. إذن، دخلت فرنسا والولايات المتحدة الأميركية لعبة “شدّ الحبال” في لبنان، من أجل تثبيت النفوذ وحماية المصالح.

على الرغم من فترة التأنّي وكبح عجلة “دعم لبنان”، التي اتخذتها باريس منذ أواخر عام ٢٠١٩، عادت لترتدي جلباب الأم الحنون بعد إنفجار ٤ آب ٢٠٢٠، حيث أطلقت مبادرتها الشهيرة لمساعدة لبنان. وما لبثت أن بدت فرنسا صاحبة النفوذ الأكبر في الميدان اللبناني ودينامو الإنقاذ، لوّحت أميركا بقضية ترسيم الحدود بشكل مباشر وعلى نطاق محكم. انطلاقًا من هنا، فضّل الثنائي الشيعي السير بالخط الأميركي ورفض المبادرة الفرنسية، لأنّ ثمارها ستكون على صعيد حلحلة الأزمة اللبنانية داخليًّا ولن تتسع نتائجها لتشمل كل المنطقة.

وفي هذا الإطار، يستنتج موسى غانم، أنّ تولّي الرئيس نبيه بري، وهو أحد أقطاب الثنائي الشيعي في لبنان، مهمّة إحياء هذا الملف ووضعه على سكة التفاوض، يعني أنّ لإيران رغبة ومصلحة في فرض شروطها على أميركا. لطهران في المنطقة أجنحتها وملفاتها، والتي تشكل ورقة ضغط تستخدمها عند الضرورة، وتكمن قوتها في امتلاكها القدرة على تحريك هذه الملفات، من اليمن إلى العراق مرورًا بسوريا وصولًا إلى لبنان، من دون أن تجلس رسميًّا على طاولة المفاوضات.

إلى ذلك، تفيد مصادر فرنسية موقع “أحوال”، أنّ الرئيس الفرنسي الذي يمثل ٩٠٪ من المجتمع الأوروبي، لن يتراجع عن دوره في لبنان ولن يعدّل عن مبادرته، بل سيمضي باتّجاه تسديد أهدافه، غير آبه بأيّة تحولات، كالانتخابات الأميركية التي لن تغير شيئًا في توجهات الإدارة الأميركية بشكل عام. وسيحاول ماكرون تثبيت وجوده في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتمتع أميركا بقوة فائقة، عن طريق لبنان وهو آخر معقل للفرنسيين في الشرق.

فرنسا في خضم التشكيل الحكومي

إنّ فرص نجاح المبادرة الفرنسية أكبر بوجود الرئيس سعد الحريري في سدّة رئاسة مجلس الوزراء، نظرًا لعلاقاته الدبلوماسية والتاريخية الواسعة مع الإدارة الفرنسية. هذا فضلًا عن أنّه الرئيس الذي يُشعر حزب الله بالأمان أكثر من سواه، والذي يُبدي مرونة في التعاطي مع كافة الأفرقاء اللبنانيين. وما قد يحصل عمليًّا، هو تلبية مطالب الثنائي الشيعي في ما خصّ وزارة المالية من جهة، وتلبية التطلعات الفرنسية من جهة ثانية. فرنسا ستغضّ النظر عن أمور عديدة، وسيتّسم تعاطيها بالليونة المطلوبة كي لا تفشل مبادرتها، للاعتبارات التي سبق وذكرناها. وسيضرب الرئيس الحريري عصفورين بحجر، من خلال تعيين وزراء من رحم الثورة إرضاءً للثوار وإرضاءً أيضًا لباريس، وهي عاصمة الثورات ومعقل الديمقراطية.

في هذا السياق، يرى غانم أنّ فرنسا ستتدخل مباشرة في مسار التشكيل الحكومي، وهي على خط تواصل مع الثوار في لبنان، فيما سيتمّم الحريري مهمّته بتعيين أشخاص ذووي ميول حزبية ومحسوبين على حزب معين ولكنهم غير حزبيين فعليًّا.

ختامًا، يعتبر موسى أنّ الأحزاب اللبنانية لم تعد اللاعب الأساسي والوحيد في إدارة البلد، وستدخل الثورة في التركيبات الجديدة وستكون من ضمن المنظومة الحاكمة لتشكّل عامل التغيير مع الوقت؛ وفرنسا ستبذل قصارى جهدها لإنجاح مبادرتها ولتثبت قوتها ووجودها في الشرق، وستعقد مؤتمراً دولياً لدعم لبنان ولضخّ الأموال ولخلق حالة من الاستقرار. وإن فشلت هذه التحليلات والتقديرات عندها سيدخل البلد في الظلمة الهالكة.

 

ناريمان شلالا

 

اظهر المزيد

ناريمان شلالا

صحافية وإعلامية لبنانية، عملت في إعداد برامج تلفزيونية وإذاعية عديدة، محاورة وكاتبة في المجال السياسي والاقتصادي والإجتماعي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى