سياسة

المسلمون في فرنسا أزمة هويّة في مجتمع علماني خلع عنه رداء المسيحيّة منذ عقود

تمام نور الدين لـ"أحوال":20 ألف شهادة عذريّة سنوياً يطلبها مهاجرون عرب قبل الزّواج


يغلي العالم العربي اليوم على وقع تصريحات الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي أعقبت مقتل المعلّم الفرنسي صموئيل باتي، على يد تلميذه الشيشاني، الذي قطع رأسه احتجاجاً على عرضه رسوماً مسيئة عن النّبي محمد، في جريمة بشعة أثارت ردود فعل مستنكرة في كافّة أنحاء العالم، وأدانها علماء مسلمون.

القصّة بدأت من هنا، إلا أنّ ما تلا الجريمة أشعل الغضب في العالم العربي، بقدر ما أشعلته الجريمة نفسها في فرنسا.

فبين الحرب على الإسلام السّياسي، والحرب على الإسلام كدين، اختلط الأمر على الرّئاسة الفرنسيّة وعلى الشّعوب العربيّة، وصولاً إلى إعلان ماكرون عن توزيع الكاريكاتور على كل المدارس الفرنسيّة، الأمر الذي اعتبره المسلمون تحدياً لهم، وضرباً لمعتقداتهم في الصّميم، بما فيهم أولئك الذين استنكروا الجريمة الإرهابيّة وأدانوها، رافضين الرّبط بين الإسلام كدين، وبين الحركات الإرهابيّة التي تموّلها جهات باتت معروفة للسلطات الفرنسيّة.

حملة مقاطعة للمنتجات الفرنسيّة

الغضب بلغ ذروته، فأعلن ناشطون عرب عن حملة واسعة لمقاطعة البضائع الفرنسيّة، بدأت من الكويت وشملت أكثر من بلدٍ عربي، وتفاوت الالتزام بها بين بلدٍ وآخر، ما يجعل من المبكر الحديث عن مفاعيلها، أقلّه قبل تبيان ما إذا كانت المقاطعة مجرد ردّ فعلٍ عفوي، أم قراراً سيتطوّر ليصبح على مستوى الدّول وليس الشّعوب فحسب.

فكيف استقبلت فرنسا الحملة لمقاطعة منتجاتها؟

يقول الخبير في الشؤون الفرنسيّة تمام نور الدين لـ”أحوال”، إنّ هذه الحملة لا قيمة فعليّة لها لأنّ بعض الدّول العربيّة يعيش اقتصادها على المنتجات الفرنسيّة، يقول “ثلاثة أرباع منتجات الدّجاج في المملكة العربيّة السعوديّة مثلاً مصدرها فرنسا، كل مكنات تحلية مياه الخليج أيضاً مستوردة من فرنسا، إذا أرادوا المقاطعة فليقفلوا حنفيات منازلهم لأنّ كل ليتر مياه يصرف في الخليج تقبض فرنسا ثمنه، لذا أرى أنّ هذه الحملة مجرّد فقّاعة في الهواء”.

فتّش عن القطريين والأتراك

ويؤكّد نور الدين أنّ هذه الحملة يقف وراءها اليوم القطريون والأتراك، الذين يقودون حملة ممنهجة ضدّ فرنسا على كافّة الأصعدة. كما يؤكّد أنّ الإرهابي الذي قتل المعلّم الفرنسي، كان على علاقة مباشرة مع الأتراك حسب ما بيّنت التحقيقات الفرنسيّة، وأنّه كان منتمياً إلى جمعية الشيخ أحمد ياسين المموّلة قطرياً وتركياً، وأنّ هؤلاء استغلّوا الأجواء التي تلت الجريمة لتحريك عصاباتهم.

لكن ماذا عن تصريحات ماكرون التي تسبّبت بإثارة الفتنة وخلّفت غضباً واسعاً في الشارع العربي، يقول نور الدين “المشكلة أنّ المسلمين حسّاسون تجاه دينهم، ينتقدون الدّيانات الأخرى ولا يقبلون أن ينتقد دينهم أحد.”.

ما وضع المسلمين في فرنسا اليوم؟

ثمّة مواطنون مسلمون في فرنسا، وثمّة مهاجرون، قدموا منذ أجيال وأسّسوا عائلات، وحصلوا على الجنسيّة، إلا أنّهم لم يندمجوا في المجتمع وأصرّوا على عدم الاندماج.

عن المسلمين في فرنسا يقول نور الدين “اليوم يشعر بعض المسلمين في فرنسا بالإرباك. فثمّة قسم من الفرنسيين المسلمين، هم مهاجرون منذ عقود، يرفضون التأقلم والاندماج مع المجتمع الفرنسي، منهم من يرفض إرسال ابنه إلى حصّة الرّسم لأنّ الرّسم باعتقادهم محرّم. وثمّة 20 ألف شهادة عذريّة يطلبها شباب فرنسيون من أصولٍ عربيّة سنوياً، قبل الزّواج، وهي أمور لا تمتّ إلى تقاليد المجتمع الفرنسي بصلة بل تمتّ إلى العصور الوسطى”.

يؤكّد تمام نور الدّين المهاجر بدوره منذ عقود إلى فرنسا، أنّ الدّولة الفرنسيّة تقوم بأفضل استثمار من خلال الاستثمار في تعليم الأطفال، ودمج أولاد المهاجرين منهم في المجتمع.

ويقول إنّ المناطق الفقيرة يعيش أبناؤها على المساعدات الاجتماعيّة، وفيها يضمّ الصف المدرسي 15 تلميذاّ، بينما في المناطق الأغنى يضمّ 30 تلميذاّ، أي أنّ الدّولة تصرف مبالغ مضاعفة على أولاد الفقراء ليتم دمجهم في المجتمع ويتابع “اللافت أنّه رغم كل جهود الدّولة ثمّة من لا يريد أن يندمج.”.

ويتابع “اللافت أنّ المهاجر يصل إلى فرنسا ويصبح لاحقاً مواطناً، لكن مشكلة البعض أنّهم يفضّلون أن يبقوا مهاجرين، فيصبح لدينا جيل أوّل مهاجر، وجيل ثانٍ، يعتبرون أنّ الأرض ليست أرضهم وأنّ مبادىء المجتمع ليست مبادءهم.”

ويؤكّد نور الدين أنّ الإسلام يعيش اليوم أزمة حقيقيّة، ففي الدّولة العلمانيّة ليس ثمّة مؤمن وكافر بل ثمّة مواطن، بينما في الإسلام ثمّة مؤمن وثمّة كافر.

لماذا توزيع الكاريكاتور؟

أرخت الجريمة ضدّ المعلّم بظلالها على الواقع الأكاديمي في فرنسا، ليتبيّن أنّه يومياً يقع أكثر من 250 حادث اعتداء من قبل طلاّب وأهاليهم على المعلّمين وأحياناً يصل الأمر حدّ الضّرب الجسدي، كما ثمّة 500 رسالة تهديد يتلقّاها المعلّمون يومياً.

يؤكّد نور الدّين أنّ أغلب هذه الحوادث يقف وراءها مهاجرون بحسب الإحصاءات الرّسميّة، وأنّ ثمّة قانون اليوم يمنع أي إساءة للمعلّم، حيث سيبدأ تطبيق قوانين صارمة بهذا الخصوص.

ولكن بماذا يفيد استفزاز المسلمين وتوزيع الكاريكاتورات المسيئة؟ وكيف ينظر الفرنسيون إلى هذا الأمر؟

يقول نور الدين “8 من 10 فرنسيين يرحّبون بهذا الأمر”، وأنّ توزيع الكاريكاتور هو إصرار على عدم التنازل.

كما يشير إلى أنّ الكاريكاتور هو جزء من الثقافة، وثمّة عيد للكاريكاتور يقام في مدينة Angouleme ويستمرّ أسبوعاً ويحضره أشخاص من كافّة أنحاء العالم.

ويستشهد بتجربة أقيمت في فرنسا على مجموعة من الطلاب من كافّة الجنسيات، وكان السّؤال “ما هو الأمر الذي لا تستطيع العيش بدونه؟ كل طالب أجاب بحسب اهتماماته إلا الفرنسي كان الوحيد الذي قال لا أستطيع العيش دون حريّة التعبير.

ويؤكّد نور الدين أنّ في فرنسا ثمّة حريّة تسمح بانتقاد كافّة الأديان، ويعود إلى خطاب ماكرون الذي يصفه بالخطاب المهمّ الذي وضع اليد على الجرح، وبأنّ المشكلة هي في الإسلام السّياسي فحسب.

أما عن توزيع الكاريكاتور على المدارس فيقول إنّه يندرج في إطار تأكيد فرنسا على أنّه من حقّ الجميع انتقاد كلّ الأديان، وأنّه ليس ثمّة محرّمات في هذا الخصوص.

فرنسا ليست مسيحيّة ولن تكون مسلمة

 في فرنسا، كان اليسار دوماً حامي الإسلام السّياسي في وجه اليمين المتطرّف، اليوم بحسب نور الدين، بدأ هذا اليسار بسحب يده من الإسلام السياسي ويؤكّد أنّ فرنسا هي ضدّ هذا الأخير وليس ضد الإسلام كدين.

ويقول نور الدّين إنّ “فرنسا ليست مسيحيّة كما يعتقد البعض، ولا يهوديّة، ولن تكون مسلمة، بل هي دولة علمانيّة تؤمن بالحريّات”.

ويتابع “ليس ثمّة مسيحيين في فرنسا، والكنائس شبه فارغة، إذ سألت الفرنسيين حتّى المعمّدين منهم عن ديانتهم، يقولون نحن لسنا مسيحيين”.

ويستشهد بقاضية استهجنت كيف أن مدّعية عامة متدينة فقالت “اكتشفنا أنّها تذهب إلى الكنيسة صبيحة كل أحد” ما يعني أنها لا تعتنق مبادىء الجمهورية.

شتم المسلمين يقود إلى المحكمة وشتم المسيحيين إلى غرامة فحسب

يؤكّد نور الدين أنّ القوانين الفرنسيّة تعاقب على الإسلاموفوبيا كما تعاقب على معاداة السّاميّة، كما يؤكّد أنّ ثمّة أمر فريد في القانون الفرنسي، وهو أنّك إذا شتمت المسيحيين في فرنسا تدفع غرامة، أما إذا شتمت المسلمين فيتمّ تحويلك إلى المحكمة، لأنّ الدّولة عندما سنّت هذا القانون في الحرب العالميّة الثانية كانت تريد طمأنة الأقلّيات، ما ينسف نظريّة أنّ فرنسا تحارب الإسلام بحسب نور الدين.

إيمان إبراهيم

 

اظهر المزيد

إيمان إبراهيم

صحافية لبنانية، خريجة كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية كتبت في شؤون السياسة والمجتمع والفن والثقافة شاركت في إعداد العديد من البرامج الاجتماعية والفنية في اكثر من محطة تلفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: