
في الأشهر الأخيرة كثّفت سلطة الجولاني حملاتها الإعلامية للحديث عن «قفزة رقمية» تقود سوريا نحو منظومة المدفوعات الدولية، عبر ورش عمل ومؤتمرات وشراكات معلنة مع شركات بطاقات عالمية، في محاولة لتسويق صورة اندماج مالي متسارع بعد سنوات من العزلة.
غير أن الوقائع المعلنة تكشف مسافة واضحة بين الخطاب الترويجي والواقع العملي.
الإنجاز الأبرز الذي جرى الإعلان عنه تمثّل في تحويل تجريبي واحد عبر نظام سويفت منتصف عام 2025 بين بنك سوري وبنك إيطالي، وُصف بأنه الأول منذ سنوات.
إلا أن هذا التحويل بقي حالة منفردة، من دون مؤشرات على تدفق عمليات متكررة أو استعادة نمط تعامل مصرفي مستدام مع الشبكات المالية العالمية، وهو ما يُعد معياراً أساسياً لأي اندماج فعلي.
بالتوازي، رُوّج لمشاركة شركات مثل Visa وMastercard في ورش ومذكرات تفاهم مع جهات مصرفية محلية، إضافة إلى منح تراخيص محدودة لبنوك إقليمية مثل QNB لاستئناف بعض أنشطة إصدار وقبول البطاقات.
غير أن هذه الخطوات بقيت في إطار التفاهمات الفنية والتدريبية، ولم تتحول بعد إلى سوق نشطة ومستقرة للمدفوعات الرقمية على نطاق واسع.
على الصعيد القانوني، ورغم تخفيف جزئي لبعض القيود خلال 2025–2026 ، لا تزال منظومة العقوبات والاشتراطات الرقابية المعقدة قائمة، ما يبقي البنوك الدولية الكبرى في دائرة الحذر بسبب مخاطر الامتثال والعقوبات الثانوية.
فالغياب الجزئي لبعض القيود لا يوازي رفعاً كاملاً يسمح بانخراط مصرفي واسع وآمن.
أما داخلياً، فتواجه مشاريع «القفز الرقمي» تحديات بنيوية واضحة: اعتماد واسع على النقد، ضعف في البنية التحتية للاتصالات ونظم التسوية، محدودية الثقة المؤسسية، وتعثر في الرقابة والحوكمة المالية.
كما أن الاعتماد على تطبيقات دفع محلية محدودة الشفافية في إدارة الرواتب والتحويلات يثير تساؤلات حول معايير الأمان والرقابة، في سوق تصنفها مؤسسات التقييم كمجال عالي المخاطر.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الخطوات المعلنة حتى الآن أقرب إلى اختبارات تشغيلية واتفاقيات إطار منها إلى تحول مالي متكامل.
فالانتقال الحقيقي نحو اقتصاد مدفوعات رقمي مستقر يتطلب شفافية مؤسسية واضحة، بيئة قانونية مكتملة، أنظمة امتثال متقدمة، وبنية تحتية تقنية وأمن سيبراني قادرين على استيعاب تعاملات واسعة النطاق، وهي شروط لا تزال موضع اختبار حتى مطلع عام 2026.



