سياسة

خطة البخاري – جعجع.. وراثة مقاعد “المستقبل” و”كتلة سنية” لمواجهة حزب الله

طرابلس غاضبة من مشهد افطار "معراب" و"اقتحام" "القوات" للمدينة

خطفت طرابلس الأضواء خلال الايام القليلة الماضية، بعد سلسلة أحداث وتطورات سياسية وأمنية متلاحقة. فالسفير السعودي وليد البخاري افتتح المعركة الانتخابية بجولته في المدينة، موفراً المظلّة السياسية و”الدينية” والمالية للوائح تحالف حزب “القوات اللبنانية” والرئيس فؤاد السنيورة واللواء أشرف ريفي.
واستفاقت مدينة الفيحاء في اليوم التالي على فاجعة هزّت الوطن برمته، تمثّلت بغرق زورق قبالة ميناء طرابلس حاصداً عدداً من الضحايا والجرحى والمفقودين.
لم يشفع هول هذه الكارثة الإنسانية، فشهدت المدينة جريمة قتل في وضح النهار بسبب تعليق يافطات وصور انتخابية، تطورت إلى اشتباكات مسلحة بين عائلتين في طرابلس. ترافق ذلك مع اعتداءات بالحجارة والعبارات النابية على دوريات الجيش اللبناني، في مشاهد استعادت ذاكرة جولات القتال والمحاور والأحداث فيها.
لا شك أن الموقع الجغرافي لعاصمة الشمال وتنوعها الطائفي والسياسي والحزبي، جعلها الإنذار الذي يؤشر لخطورة الوضع الذي يسبق شرارة الإنفجار، وبالتالي لما يحضر للبلد في المرحلة المقبلة، طالما أن قوى خارجية وداخلية حوّلت طرابلس إلى بؤرة معدة للإنفجار “غب الطلب” وعلى التوقيت السياسي.
فمن له مصلحة بإشعال الوضع الأمني في طرابلس ذات الثقل السني، على مسافة أسبوعين من انطلاق العملية الانتخابية؟ وهل أن جريمة القتل والاشتباكات في طرابلس مخطط لها لتحقيق أهداف انتخابية وسياسية، لشد العصب الطائفي وحرف أنظار الرأي العام الطرابلسي عن فداحة مشهد “الافطار الرمضاني” في معراب، واحتواء الغضب السني على تدخل “القوات اللبنانية” في الساحة الطرابلسية والسنية عموماً؟ أم لإشاحة الأضواء عن مأساة غرق الزورق؟ وهل ما يجري من أحداث في طرابلس هو حلقة في مسلسل من الأحداث سيتوالى فصوله كلما اقتربنا من موعد الانتخابات، لتحضير الساحة للانفجار الأمني الكبير لتطيير الاستحقاق الانتخابي؟ في ظل معلومات تشير الى محاولة جهات محلية وخارجية لخلق فتنة بين الجيش وأهالي طرابلس لأهداف انتخابية وسياسية.
ما يُثير الانتباه، هو محاولة الاقتحام “القواتية” للساحة الطرابلسية خصوصًا والسنية عموماً، بعدما مهّد السفير السعودي بجولته على المدينة لهذا الاقتحام.. فلطالما كانت طرابلس تحت مرمى عين رئيس “القوات” سمير جعجع وأهدافه.
تقول مصادر مواكبة لكواليس مسار إقصاء الرئيس سعد الحريري عن الحياة السياسية والانتخابية، إن جعجع كان من أشد المسوّقين والمتحمّسين لانكفاء الحريري، وكان قد أرسل للسعوديين أكثر من رسالة يدعوهم خلالها لإبعاد الحريري قبل الانتخابات النيابية، كبوابة لتغيير المشهد النيابي والمعادلة السياسية في البلد لصالح الفريق الأميركي – السعودي في لبنان.
تقوم نطرية جعجع على أن الحريري شكل رافعة لعهد رئيس الجمهورية ميشال عون و”التيار الوطني الحر”، و”مظلة سنية” لـ”حزب الله” وسلاحه ودوره الاقليمي في سوريا والعراق وفلسطين واليمن، عدا عن دوره في الصراع مع “إسرائيل” ودعمه المطلق للقضية الفلسطينية، لذلك يجب إسقاط “السيبة” التي تستند إليها التسوية الرئاسية، وهذا يتطلب إسقاط أحد أركانها، فكانت الركيزة الأضعف هي الحريري، وذلك لكسر احتكار المستقبل و”الحريرية” للساحة السنية وبالتالي تشريعها أمام تيارات وقوى أخرى معارضة لـ”حزب الله” وخياراته، ومستعدة للانخراط المباشر في المواجهة معه.. لذلك، ومنذ انكفاء الحريري في شباط الماضي، بدأ جعجع يعد العدة للتوغل في الساحات ذات الثقل السني، في طرابلس وعكار والضنية والمنية وزحلة، فضلاً عن سعيه لكسب الأصوات السنية في الكورة والبترون وزغرتا، كون للسنة ناخبين في هذه الدوائر ولا يوجد مرشحين.
أما اللافت، فهو تجرؤ جعجع للمرة الأولى على إعلان مرشح “قواتي” في طرابلس على للائحة المدعومة من اللواء أشرف ريفي، ثم باستضافة أعضاء اللائحة في معراب والإعلان عنها مجدداً، ما أوحى بأنه اللئحة كلها هي لائحة “القوات” وأن ريفي هو أحد أعضائها، ما تسبب بإحراج للواء ريفي الذي لم يحضر مهرجان معراب، لكنه وبضغط سعودي عاد وحضر الافطار الذي أقامه جعجع على شرف السفير السعودي في معراب.
وتكشف المعلومات أن جعجع والسفير السعودي خططا للمرحلة المقبلة، واتفقا على إدارة العملية الانتخابية في الخلوة التي جمعتهما لمدة ساعة ونصف قبل “مائدة” الافطار التي أقامها السفير السعودي لعدد من السياسيين في اليرزة. وكُلف جعجع بإدارة المواجهة الانتخابية لإحداث انقلاب في الأكثرية النيابية.
ترشيح “معراب” لأحد أعضائها عن المقعد الماروني في طرابلس، استدرج ردود فعل غاضبة من الجمهور السني الطرابلسي، لا سيما وأن الترشيح يحمل أبعاداً خطيرة، تتمثل بدخول “القوات” للعبث في الساحة السنية، مستغلة حالة الانقسام السياسي بين ممثلي المدينة وغياب الحريري وضياع وتضعضع الشارع السني.
وما أثار استغراب أوساط طرابلسية، هو “افطار معراب” الذي كان أشبه بحفلة علاقات عامة، ومحاولة لمنح جعجع “إبراء ذمة سنية” عن الجرائم التي ارتكبها في مرحلة الحرب، لا سيما اغتيال رئيس الحكومة الشهيد رشيد كرامي، وتظهير رئيس “القوات” على أنه البريئ من “دم الصديق”، عبر تسليط الأضواء على وقوف عدد من المشايخ في “الصف” أمام جعجع لمصافحته.
وقد كان لمشهد المشايخ ردود فعل حادة من المزاج السنّي، وأحرج المشايخ الذين ظهروا في الصور يقفون في الصف لمصافحة جعجع، وتعرّضوا لحملات عنيفة وشتائم في بيئاتهم وعائلاتهم، ما اضطرهم للتبرير أنهم ذهبوا بتكليف من مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان!
ولا تقل غرابة تلك العراضات والاستعراضات “القواتية” في زحلة والبقاع الغربي وراشيا، عبر مواكب سيارة تحمل أعلام “القوات” وصور لجعجع وهو يحمل سلاحه، في استعادة لزمن الحرب!
فهل ينجح جعجع باختراق الساحة السنية؟
يشير المطلعون على الوضع السياسي لـ”أحوال” إلى أن الهدف السعودي – “القواتي” هو حصد كتلة نيابية سنية صافية، تعمل وفق التوجيهات السعودية ومتحالفة مع “القوات” لتكون رأس الحربة لمواجهة “حزب الله” في المجلس النيابي والحكومة، وجعل “حكيم” “معراب” “عراب” السنة في لبنان.
تجزم قيادات طرابلسية أن تكتيكات قائد “القوات اللبنانية” في مد يده الى “الصحن السني”، لن تمر .. وتؤكد أن الشارع السني، وإن كان في حالة تشتت وضياع بعد انكفاء الحريري، لن يسمح بأن يكون “فريسة” لـ”الذئب القواتي”، مشيرة الى أن القوى الاسلامية والوطنية، ستسعى جاهدة لقطع اليد التي تمتد على المدينة للسيطرة على قرارها والعبث بتاريخها.
وتلفت تلك القيادات الطرابلسية إلى أن تشظي تيار المستقبل في الشمال والمال الانتخابي السعودي، لن يدفعا الجمهور “المستقبلي”، والسني عموماً، الى الانقلاب على الحريري لصالح تعويم جعجع. وبالتالي فإن محاولات التمدد “القواتي” في مدينة الفيحاء، لن تنجح.

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى