سياسة
أخر الأخبار

قانون الانتخاب بين الترف الفكري وصراع بري جعجع

إعلانات

يوقع البرلمان اللّبناني نفسه في رقعة من الترف الفكري، ويرتقي بالنقاش من أسفل هرم الهموم إلى أعلى الجدالات الذهنية رفاهيةً فيدخل في مناقشة حول قانون عصري لا طائفي للانتخابات النيابية على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة. إنه طرحٌ بلا شك عاقل لكنه بدون مبالغة عقيم لا سيّما في هذه المرحلة التي يتخبط فيها اللّبنانيون في شبكة عنكبوتية من المشاكل والأزمات لا بل أخطار تقودهم إلى الانهيار.

لا حكومة في الأفق، لا مشاريع إصلاحية تنتشل الناس من براثن الفقر والجوع، كورونا تنهش أرواح اللّبنانيين، الدواء شبه مفقود، والبلد لم يلملم نصف بيروت جراحه بعد الزلزال الذي ضرب مرفأ العاصمة على وقع عدٍّ تنازُلي مكتوم لبدءِ وقف دعْم السلع الاستراتيجية، يترفع المجلس النيابي عن كل ذلك ويتجه إلى درس القوانين الانتخابيّة وأيضاً إنشاء مجلس الشيوخ ولا يمر ذلك مرور الكرام فيثير القلق المسيحي الدائم من الذوبان في رقعة التمثيل.

طوباوية القوانين المطروحة فاجأت اللّبنانيين، ففي زمن غير محسوب انكبت جلسة مشتركة للجان: المال والموازنة، الادارة والعدل، الدفاع الوطني والداخلية والبلديات، بدعوة من رئيس المجلس نبيه بري، لدرس اقتراحات ثلاثة قوانين: اقتراح قانون انتخاب قدّمه النائبان أنور الخليل وابراهيم عازار، واقتراح قانون انتخاب قدّمه النواب نجيب ميقاتي ونقولا نحاس وعلي درويش، واقتراح قانون لانتخاب مجلس الشيوخ قدّمه النائبان أنور الخليل وابراهيم عازار.

القانون الانتخابي الذي أراد برّي درسه كانت قد أعدته كتلته النيابية، “التنمية والتحرير”، ويعتمد النسبية المطلقة، من دون صوت تفضيلي، وعلى أسس لبنان دائرة انتخابية واحدة.

لكن هذه الصيغة، التي تعتبر متقدمة في القوانين اللّبنانية وهي مطروحة من السبعينات في لبنان وبعد مرحلة اتفاق الطائف وكانت عنواناً لمطالب شرائح كبيرة من المجتمع المدني، تثير مخاوفاً لدى الأحزاب المسيحية. وهذا ما حصل بالفعل خلال الجلسة فقد تأجّجت الخلافات مجدّداً وفي تلك الجلسة التي عقدت الأربعاء، رفض تكتل “لبنان القوي” ممثلاً بالنائب آلان عون وتكتل “الجمهورية القوية” ممثلاً بالنائب جورج عدوان أي تعديل على قانون الانتخاب الحالي أو إنشاء مجلس الشيوخ.

وجرى نقاش كبير حول القوانين المطروحة في الجلسة لكنّها مرّت بصمت خفي ودون ضجيج. إلى أن كتب رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع على حسابه على “تويتر” أن النائب جورج عدوان انتصر على برّي في عدم المضي بدرس قانون الانتخاب. وغرّد الخميس في 8 تشرين الأول قائلاً “إلى المزايدين. لولا وجودنا في المجلس النيابي لكانت مرّت بالأمس مؤامرة قانون الانتخاب”. فجاءه الرد سريعاً من المكتب الإعلامي لبري “كل قوانين الانتخابات السابقة يمكن اعتبارها مؤامرة على مستقبل لبنان، ما عدا الاقتراح الحالي. اقرأ بروحية النصر للبنان وليس على الفريق الآخر”.

 

القلق المسيحي

سجال بري -جعجع لن يكون وحيداً فقد علمت “أحوال” أن الحديث عن قانون انتخابي بهذا الشكل لن يُهضم بسهولة من قبل المكونات المسيحية لأنها ترى في الدائرة الواحدة “ذواباناً” لحضورها، وأن هذا النقاش المستجد سيتم التصدي له مسيحياً، وأن البطريرك الماروني بشارة الراعي بنفسه سيقف ضد هذه الطروحات لأنّها تهدّد المناصفة في حال أصبحت جدية وجرى السير فيها.

في ظل الأزمات المتراكمة لا معنى لهذا الطرح لأنّها تزيد الخلافات كما يقول عضو تكتل ​الجمهورية القوية​ ماجد ​إدي أبي اللّمع​، “لا فائدة من طرح مواضيع مصيرية مثل مشروعي قانوني ​الانتخابات​ ومجلس الشيوخ في أوضاع متأزمة كمثل حالنا الآن، ولا مصلحة للبنان​ بتكديس أزمات فوق أزمات”. وشدّد “فلتكن استشارات نيابية وتكليف وتأليف ​حكومة​ اختصاصيين مستقلة تعالج المشاكل الحياتية للناس وتحدّد موعداً لانتخابات نيابية مبكرة وفق القانون الحالي لإعادة إنتاج سلطة تحظى بثقة الشعب”. فيما رأى النائب جورج عدوان أنّ الأولوية القصوى هي معالجة المشاكل التي تهم الناس اليوم قبل الغد، ولسنا بحاجة إلى موضوع خلافي مثل طرح قانون انتخاب جديد”. واعتبر عدوان أنّ القانون الأخير أخذ سنوات من العمل وبعد جهد طويل استطعنا أن نصحح التمثيل الذي كان منقوصاً. لذلك وبشكل واضح، نحن مع الإبقاء على هذا القانون. ونريد انتخابات مبكرة وفق هذا القانون”.

يعلم بري أنّ ثمّة حساسية في نفوس القوى المسيحية حيال اقتراح الدائرة الواحدة ويسبب مخاوف من “هضم” وجودهم لا سيّما أن 33 بالمئة فقط من الناخبين مسيحيين. وفي حين أن القانون الحالي أمّن لهذه القوى نحو 55 مقعداً نيابياً، منتخبين بأصوات مسيحية، فإنّ الذهاب نحو دائرة انتخابية واحدة يحرمهم هذه النسبة.

ووصف بعض النواب أنّ ما هو مطروح في جلسة ​اللّجان المشتركة​ بـ “خزعبلات”، في وقت يعاني الناس من الجوع والعطش، أضف إلى ذلك أن لا ​كهرباء​ ولا استشفاء ولا ​مدارس​. وأنّ طرح ​النقاش​ حول قانون الانتخابات اليوم هو عكس مطالب الناس وعكس حاجاتهم.

 

التوقيت غير مناسب

التوقيت الخاطئ لطرح القانون سيجعل حركة الاعتراض عليه كبيرة، بالنسبة إلى عضو تكتل لبنان القوي آلان عون الذي اعتبر أنّ التوقيت غير مناسب فعلاً لطرح قانون الانتخاب؟، وشدّد على أنّه لا يمكن التخلّي عن أهم مكسب في قانون الانتخاب الذي أنتج المجلس في 2018 وأمّن صحة تمثيل كلّ المكوّنات اللّبنانية، سياسياً وطائفياً”. ورفض عون العودة إلى نظام “المحادل” وقال “طرح مجلس شيوخ وإلغاء القيد الطائفي في مجلس النواب هو تغيير جذري ويحتاج إلى حوار وطني لنرى أي جدية أو واقعية أو قابلية موجودة لدى البعض والكل للذهاب إلى الدولة المدنية”.

وفيما يلتقي الخصمان “العوني” و”القواتي” على رفض مناقشة قانون انتخاب على أساس لبنان دائرة واحدة يُبدي المستقبل تأييده لهكذا مشروع قانون وهذا ما عبّر عنه عضو “كتلة المستقبل” النائب سامي فتفت، ملاقياً كلّ من كتلتي “التنمية والتحرير” و”الوفاء للمقاومة” وقال “أدرك تماماً أن هناك كتلاً في مجلس النواب لديها هواجس طائفية وأن القانون المعمول به حالياً وُضِع بعد جهود كبيرة لتأمين تمثيل كل الطوائف في لبنان بشكل مناسب”. لكن فتفت يقرّ بأن القانون الحالي الذي أتى بالنواب الحاليين هو قانون غير جامع ويكرس الخطاب المناطقي معتبراً أنّه “كلما توسّعت الدائرة كلّما تعزّز الخطاب الوطني الجامع، لذلك نتمنى أن نصل إلى الوقت الذي يتم فيه الانتخاب على أساس وطني لا طائفي”.

كان ممكناً لطرح قانون انتخابي من هذا النوع أن يولّد رضى الداعين إلى الدولة المدنية العلمانية والراغبين بخروج لبنان من لباسه الطائفي لكنّه أتى في مرحلة تتوالد فيها المصائب، فبدت بمثابة الأرنب “النطاط” الذي يخلق ضجيجاً وتأففاً.

 

رانيا برو

 

اظهر المزيد

رانيا برو

صحافية وكاتبة لبنانية. عملت في مؤسسات اعلامية لبنانية وعربية مكتوبة ومرئية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى