اقتصاد
أخر الأخبار

انفجار مرفأ بيروت يزيل ما تبقّى من الصناعات اللبنانيّة

"لطّوف إخوان" صناعة وطنيّة بدأت منذ الثلاثينات

بدأ طانيوس لطّوف مصلحة صناعة وتجارة الكاوتشوك الصناعي (أو المطّاط) سنة 1932. الكاوتشوك الصناعي هو الذي يستعمل في جميع الماكينات، الأدوات الطبيّة، أدوات البناء والقطع الميكانيكية وغيرها.
ورث أبناء طانيوس “غبريال، كميل وإيلي” المصلحة عن أبيهم وعملوا بجهدٍ لتوسيع مصلحة العائلة، فحملوها إلى شارع مار مخايل سنة 1975. حين ذاك كانت منطقة مار مخايل صناعيّةً بامتياز، بدأوا بواجهة محلٍّ واحدةٍ ومن هنا انطلقوا ليصبح لديهم محالّ من ثلاث واجهاتٍ ومستودعات.
مع السنين، أصبح “لطّوف إخوان” أو “Lattouf Bros” يصنعون ويتاجرون بالكاوتشوك الصناعي مع حوالي 4000 نوعٍ من المنتجات تستعمل في أكثر من مجالٍ واحد.
الحال ميسورة والوضع مستقرّ، أوّل تحدٍّ وجوديٍّ واجه الإخوة هو “الثورة السياحيّة” في منطقة مار مخايل، التي أُغلقت خلالها جميع المحالّ والمصالح المجايلة لمصلحة آل لطّوف والأقدم منها أيضاً، وقامت على هيكل تلك المصالح: المطاعم والملاهي والبارات، وتغيّر وجه المدينة.
كان صعب على الإخوة التعايش مع المظهر الجديد الذي عمّ المدينة، والذي أثّر بالتالي على العمل، فلم تعد منطقة مار مخايل السوق الذي يقصده الناس باحثين عن الأدوات والقطع، لم تعد بيروت الشعبيّة وبيروت العمّال هي نفسها. ومع ذلك، أصرّ الإخوة البقاء والصمود في عملهم إيماناً منهم بما يحبّون “مصلحة أبيهم”.
ولكن وفي الرابع من آب تغيّر المسار، فقد حصل زلزال مرفأ بيروت تدمّر شارع مار مخايل ومعه تدمّرت المحالّ والأحلام بقرار الصمود المعتمد من قبل الإخوة والذي تجدّد مرّاتٍ عديدةً بعد غلاء المعيشة والأزمة الاقتصاديّة وجائحة كورونا وكلّ ما هنالك من مصاعب مرّت بها البلاد هذه السنة.
أثناء الحديث مع سارد القصّة إدوين لطّوف وهو ابن الشقيق الأصغر إيلي لطّوف، الذي بدوره أعرب عن حزنه الشديد لما حلّ بالعاصمة بيروت وضحاياها ووصف المشهد بالقاسي على العائلة بعد إحصاء حجم الدمار والخسائر التي أصيبت بها المصلحة والتي يراها فعلاً صناعةً أساسيّةً تشكّل “عصب كلّ الصناعات”.
خلال الانفجار تصدّع البناء التراثيّ وسقط سقفه على محالّ “لطّوف إخوان” وتضرّرت البضائع، تكسّرت الواجهات ولم يبقَ شيء يذكر.

بناءً على ما ذُكر في بيان بلديّة بيروت الذي سلّم بعد أسبوعٍ من الانفجار ل”لطّوف إخوان” أنّه :”عملاً بأحكام المادّة 205 معطوفةً على المادّتين 194 و 197 من القانون رقم 17/1990 وحيث أنّ الوضع الإنشائي للأبنية بات يشكّل خطراً على شاغليه والمارّة وعلى السلامة العامّة، طلب إخلاءٍ كاملٍ لجميع هذه المباني ومنع المرور ضمن الشوارع والأملاك العامّة المحيطة بصورةٍ مؤقّتةٍ ولحين التأكّد من رفع الخطر”.
وبالتالي، أُخليت المحالّ وأُقفلت أبواب المستودعات وأقفل معها باب رزق عائلةٍ بأكملها موعودين بأمل التعويض لأنّ البدء من جديدٍ ثقيل جدّاً مع غلاء الدولار والحجز على الأموال في البنوك.
يختم أدوين لطّوف قصّة جدّه والعائلة بكلماتٍ هادئةٍ متقطّعةٍ واصفاً المشهد الحقيقيّ دون مراوغة: “اخترب بيتنا”.
آلاف القصص تروى، والمعاناة مستمرّة، سنسمع عنها ونراقب تطوّرها في ظلّ غياب متحمّلي المسؤوليّة.
مرّ ما يقارب الشهر على الانفجار الأليم، لم يحصل خلاله مستأجرو الأبنية التراثيّة – ومعظمهم من المتعاقدين بحسب قانون الإيجارات القديم وآل لطّوف منهم – على أيّ تعويضاتٍ ماديّة، فقد خسروا باب رزقهم ومدخولهم الوحيد، لا يستطيعون فتح محلٍّ جديدٍ ولا يجيدون مصلحةً أخرى، ما يعني أنّ مصير عائلةٍ بأكملها متوقّف على هذه التعويضات التي لم تصل بعد، وأمثالهم كثر.
إنّ أهالي هذه المنطقة هم الذين سهروا أمام بيوتهم ومحالّهم لحمايتها بعد الإنفجار مع غياب أجهزة الأمن، وهم الذين نظّفوا في الصباح الباكر الخراب، وهم الآن من يتحمّلون الأعباء.
وهم أيضاً من لا يعلمون ما الذي سيحصل في الغد القريب؟
لقد لاحظنا الهجمة في الأسبوع الأوّل لأصحاب الأموال، كما لاحظنا المخاوف التي تسيطر على أهالي هذه المنطقة وشبح “التهجير” يأكلهم لأنّهم فقدوا الثقة منذ وقتٍ طويلٍ بدولةٍ لا حلول لديها في ملفّهم، فكيف إذا كان حالهم اليوم مرتبطاً بإهمال هذه الدولة؟
هل ستهدم الأبنية المهدّدة بالوقوع أم سترمّم؟ هل ستعمّر محالّهم وتعاد أحلامهم؟ هل سيبقى أهالي منطقة الجمّيزة – مار مخايل وسائر المناطق المتضرّرة نفسهم؟
بدأت نقابة المحامين بمبادرةٍ ضمن “هيئة التنسيق الوطنيّة” بتلقّي الشكاوى المقدّمة من المتضرّرين/ات جراء الانفجار لتتوكّل عنهم لاستحصال حقوقهم. وحتّى الآن تخطّى عدد الشكاوى ال 1600.
أيضاً وأيضاً، نعلم مجرى الشكاوى ووقتها.
هل سيتحمّل المتضرّرون/ات شهراً آخر دون أيّ تعويض؟

ماري لو بيضون

اظهر المزيد

ماري لو بيضون

صحافيّة وناشطة نسويّة حائزة إجازة في فنون التّواصل والصّحافة من الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: