سياسة

استدراج الوصاية على لبنان ساقط قانونيًا

مطالب تدويل بالتزامن مع التهديدات الأميركية

يستخدم أعداء المقاومة والمعارضات سواء في لبنان أو العراق أو اليمن وسوريا وبعض الدول العربية نغمة اللّجوء إلى الفصل السابع للاستقواء على الفريق الآخر. ومنذ العام 2005 وبعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري تلوك ألسن الجبهات المناهضة للمقاومة ولسوريا نغمة طلب الحماية الدولية واللّجوء إلى تطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وبالتزامن مع إنشاء المحكمة الدولية والانقسام اللّبناني حولها، سعى البعض في لبنان وأوساط دبلوماسية غربية إلى ترهيب اللّبنانيين بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي قد يتيح لمجلس الأمن الدّولي التدخل العسكري أو الاقتصادي من خلال فرض عقوبات، إذا رفض لبنان التعاون مع المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

واليوم مع سمفونية اعتبار لبنان خارج عن الشرعية الدولية، وكون رئيس الجمهورية لم يدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض زائرًا بسبب “الحجر” الأميركي في زمن الرئيس السابق دونالد ترامب. يحلو للبعض طلب تدويل كل شيء، حين يعجز عن فرض شروطه، بالتزامن مع التهديدات بالعقوبات الأميركية في كل ساعة وحين.

وحديثًا، ومع نغمة الحديث عن “الحياد” والعقوبات وتدويل التحقيقات منذ فاجعة تفجير المرفأ حتى تصفية الناشط السياسي لقمان سليم ومع التأخير في تشكيل الحكومة، يحلو للبعض التلويح بتدويل التحقيقات وطلب الحماية الدولية.

نائب شبعا الجنوبية قاسم هاشم، يرفض دعوات التدويل وما صدر عن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من دعوة لتدخل دولي في لبنان. واعتبر أن دعوة الراعي ليست في مكانها، “لأن الخلاف على تشكيل الحكومة هو أزمة داخلية تتعلق بالمصالح والمكاسب السياسية والفئوية”؛ لافتًا إلى أن التدويل تعتريه مخاطر كبيرة في مرحلة مصيرية يكتنفها تقاطع المصالح دوليًا. في وقت يدعم الجميع إسرائيل وهي لا تنفك تعبث بأرضنا. أما التدويل لنزع السلاح فهو ما لا يمكن القبول به، والاستراتيجية الدفاعية للبنان تضمن للبنان حق المقاومة.

كانت دعوات التدويل في كفّة وتلويح النائب أنور الخليل بالفصل السابع في كفةّ أخرى. شيخ المجلس النيابي وصاحب الرصيد الأكبر في إشغال المقعد النيابي، عضو كتلة نيابية يرأسها الرئيس نبيه بري، الذي يفخر أنّه كان من الذين قادوا مواجهات ضد التدويل منذ اتفاق القاهرة إلى 6 شباط و7 أيار. وجميعها تواريخ أضناها الفشل في جرّ التدويل إلى لبنان.

وإذا كان تلويح الخليل زلّة سارع عقبها إلى التبرير وإظهر حسن النيّة، فإنّ التشكيك بكل ما هو وطني وطرح التدويل والوصاية، بانت بشائره على لسان رؤساء الحكومات السابقين وناديهم، دون التفكير بتبعات مثل هذه الدعوات. يقول سياسي مخضرم “لقد جرّبوا التدويل في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وذاقوا الأمرّين من التوظيف السياسي، واللّعب على الفتن المذهبية، وهم يرون بأمّ العين الحملات الإعلامية الداخلية والخارجية لتوظيف التفجير في المعارك التي تستهدف المقاومة وأيضًا اليوم اغتيال لقمان سليم”.

ويتابع “كل ذلك لا ينفع ولن يصل أحد إلى تحقيق مآربه السياسية على حساب سيادة الدولة وكرامة الوطن. الحل الوحيد هو الوحدة والتضامن والالتصاق بالمصالح الوطنية المشتركة والالتفاف حول مفهوم بناء الدولة”. بناء الدولة الذي فشل منذ اتفاق الطائف حتى اليوم مع اتّباع سياسة المحاصصة والفئوية والحزبية. يبدو أنّه لن يجد طريقه مع سياسة الشد والنزال والاستعداء بين الفرقاء السياسيين.

فرنسا والتفرّد والتدويل

الدعوات إلى التدويل قد لا تلقى ترحيبًا فرنسيًا، بحسب مصادر مطّلعة، وباريس تعلم أنَّ بقدر إدراكها للتركيبة اللّبنانية أنّ مثل هذه الطروحات تؤدي إلى تعقيدات أكبر على الساحة اللّبنانية ولا تخدم مساعيها للوصول إلى حلّ الأزمة. وتلفت المصادر بحسب ما يومئ أصدقاء فرنسيين إلى أنّ فرنسا متمسّكة بدورها في لبنان ولا ترغب بأن يُشاركها فيه أحد سوى بالدعم لمبادرتها على جمع القيادات اللّبنانية تحت سقف رعايتها.

وباريس تعمل على حشد دعم عربي ودولي لإنجاح مبادرتها سواء عبر الضوء الأخضر الأميركي الذي أخذته من الرئيس جو بايدن وتسعى لحشد دعم عربي بدءًا من مصر التي دخل رئيسها على خطّ الاتصالات بعد زيارته فرنسا واستقباله الرئيس المكلّف سعد الحريري. ومن المتوقع أن يقوم الرئيس الفرنسي بزيارات قد تشمل أبو ظبي والرياض للوقوف إلى جانبه في مسعاه اللّبناني.

ضمن هذا الاتجاه، التدويل في القاموس الفرنسي مرفوض بما يتّصل بالشأن اللّبناني. لذا فإنّ على المطالبين به التخفيف من هذه النغمة لأنّها تحمل مخاطر تفوق توقعات مطلقيها في لحظة تنعطف المنطقة نحو تغييرات شبه جذرية بما يتّصل بالعلاقات بين الدول، فيما انبعاث داعش يُطل برأسه.

طلب الوصاية لرفع الشأن

المرحلة التي بدأت منذ 1982 حتى 2006 وحقّقت المقاومة فيها انتصارات على اسرائيل ونجاح حزب الله مع الجيش اللّبناني في دحر حركات الإرهاب بين 2012 – 2020 ليضع معادلة لبنانية جديدة، صعد نفوذ حزب الله وأرسى تحالفًا قويًا مع التيّار الوطني الحر وحركة أمل.

“التحالف السياسي هذا استطاع توفير غطاء لتهرّب رئيس الحكومة سعد الحريري من مسؤولياته الحكومية بطلب أميركي خارجي ودفع نحو إنتاج حكومة مستقلة برئاسة حسان دياب”. يقول الباحث في الشأن السياسي الدكتور وفيق ابراهيم. هذا ما استتبع خوفًا من فريق 14 آذار السابق وتفرّعاته، لوجوده خارج المعادلة السياسية فاندفعت إلى المطالبة بتدويل لبنان. ويقول ابراهيم “هذه الحركة تعتقد أنّ التدويل يؤدي تلقائيًا إلى فقدان معادلة الحكم الحالية مشروعيتها. وقد يتمكن الأميركيون حسب اعتقاد البعض خاصة المستقبل برئاسة فؤاد السنيورة والقوات والكتائب والاشتراكي وغيرهم، من الإمساك بلبنان وضرب حزب الله وإعادة 14 آذار إلى السلطة”.

يُخيّل لبعض الساسة اللّبنانيين أنه يمكن أن يُدرجوا مشروعهم السياسي الخاص على خارطة السياسة العالمية، ويعملون على إيمان منهم أنّ أساطيل القيادة الوسطى وحلف الناتو جاهزة لأوامر نزعاتهم.

لذلك أطلق هذا الحلف هواجسه بإعلان مروان حمادة استقالته من المجلس النيابي بما يشبه مقدمة لاستقالات جماعية مرتقبة لنواب القوات والحريري وجنبلاط والكتائب وبعض المستقلين في محاولة مفضوحة للتسبّب بضرر كبير في الميثاق الوطني. لكن لم تنجح الخطوة.

يقول إبراهيم “إنهم حاولوا ويحاولون تعطيل الدولة بإحداث فراغات ميثاقية تطال نحو أربعين بالمئة من النواب اللّبنانيين، لكنها باءت بالفشل”.

 

الوصاية ساقطة قانونيًا

في القانون الدولي، سقط “نظام الوصاية” الدولي بشكل نهائي في العام 1994، بعدما استقلَّت جميع الدول التي كانت مشمولة بالوصاية من قبل الأمم المتحدة.

أقرّ نصّ ميثاق الأمم المتحدة في المادة 78 أن “الوصاية الدولية” تسقط بمجرد انضمام دولة إلى الأمم المتحدة، لأنّ مبدأ الوصاية يتناقض مع مبدأ أساسي وجوهري في الأمم المتحدة، وهو مبدأ “المساواة في السيادة بين الدول”.

وهناك حقّ الشّعوب في تقرير مصيرها، والَّذي يُعتبر من المبادئ الآمرة في القانون الدولي، وبالتالي إن مبدأين آمرين في العلاقات الدولية: سيادة الدولة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

من هنا، فإن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وسقوط نظام الوصاية نهائيًا باستقلال الدول المحدّدة التي كانت مشمولة بقرار الوصاية، كلّها أمور أن طرح مبدأ “الوصاية على لبنان” لا يعدو كونه طرحًا سطحيًا من غير أصحاب اختصاص، وساقط قانونيًا.

 

رانيا برو

اظهر المزيد

رانيا برو

صحافية وكاتبة لبنانية. تحمل الإجازة في الإعلام من الجامعة اللبنانية. عملت في عدة مؤسسات اعلامية لبنانية وعربية مكتوبة ومرئية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: