سياسة

تَصدُّع في النسيج الأميركي يُنذر بـ”حرب أهلية”!

مشاهد استثنائية في واشنطن تنبئ بعهد مليء بالجروح والانقسام أمام بايدن

تصاعد القلق بين الأميركيين خبراء أمنيين وسياسيين وإعلاميين، ليس من أخطار محيطة بعملية تنصيب جو بايدن، بل من احتمالات اندلاع “حرب أهلية” بعد تسلّم الرئيس الجديد مهامه. قد يبدو الأمر مستهجنًا أو صنع خيالات أعداء الدولة العُظمى، وقد يبدو حكمًا مستغربًا باعتبار أن الحديث عن دولة تمتلك أهم المؤسسات الأمنية والدستورية والعسكرية، لكن مفردات “الحرب الأهلية” و”الانقسام” و”المصالحة” و”الوحدة” باتت لازمة مكرّرة لدى أهل الحل والربط في أميركا وبعيدًا عن الشرق الأوسط وأفريقيا. فالرئيس المغادر للبيت الأبيض والذي ملأ الولايات المتحدة ضجيجًا لسنوات أربع خلت، استطاع خرق النسيج الوطني الأميركي وتعزيز الانقسام بين فئات المجتمع تحت شعارات عنصرية وسلوك فوقي وتمكّن من إثارة المخاوف من الجماعات المهاجرة وترسيخ نظريات التفوق العرقي والاقتصادي.

فيما تواصل الولايات المتحدة تأهبها الأمني غير المسبوق استعدادًا لتنصيب بايدن، وسط تحذيرات رسمية من احتمال وقوع هجمات خلال حفل التسلّم والتسليم الدستوري، يقول خبراء أميركيون إنه لا داعي للقلق بشأن “اندلاع حرب أهلية محتملة خلال تنصيب جو بايدن، بل بعد ذلك”، في وقت يخشى آخرون أن الهجوم على مبنى الكابيتول هو نقطة البداية لهجمات متطرفة مختلفة في الولايات المتحدة ستشن يوم التنصيب.

رغم فوزه في الانتخابات وإنهائه ظاهرة ترامب فإنَّ الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأميركية سيعاني وزر أثقال التعقيدات التي تركها سلفه. سيحتاج جو بايدن إلى العمل الجاد والشاق في آن معًا لـ”استعادة روح الأمة”، كما تعهّد خلال حملته الانتخابية. هذه الروح تحدث عنها رون كلاين، أبرز موظفي البيت الأبيض المعيّن من بايدن، وعن العمل على “رسالة وحدة وإنجاز الأمور التي تُعيد التضامن بين أبناء الشعب”، كما قال لشبكة “سي أن أن”.

الرئيس الحائز على 81 مليون صوت في انتخابات الرئاسة، وهذا رقم قياسي بلا شك، يُدرك حراجة مهمته. وفي خطاب النصر الذي ألقاه في 7 تشرين الثاني، أشار إلى ضرورة بناء تحالف هو “الأوسع والأكثر تنوّعًا في التاريخ”، ولاستعداد الأميركيين لـ”خفض حدة التوتر” و”تضميد الجروح”.

يجادل بعضهم بأن الحكومة الفيدرالية تملك مقوّمات القوة والسطوة والمؤسسات والتراكم الدستوري والقانوني وتراكم الخبرات، ما لن يسمح بانفلات شرارة حرب أهلية، وهذا صحيح. لكن ذلك لا يحجب احتمالات انفجار حروب صغيرة ترصدها الأجهزة الاستخبارية الأميركية. وتُعزّز هذه الفرضيات انتشار الأسلحة الهجومية، والانقسام الاجتماعي الحاد بين اليمين واليسار، وبين مؤيدي ترامب وكارهيه، وصعود التيارات اليمينية العنصرية وميلشياتها في كافة الولايات.

وحين لمّح ترامب، نهاية شهر أيلول الماضي، إلى إمكانية نشوب حرب أهلية إن نجحت جهود الديمقراطيين في إقالته، سارعت بعض تلك الميليشيات، منها جماعة Oath Keepers “حماة العهد”، إلى دعوة أعضائها للاستعداد لـ “حرب أهلية ساخنة كما جرى عام 1859”. وهدّدت هذه الجماعة بإعلان التعبئة العامة إذا أمرها ترامب بذلك، والإعلان عن عصيان مسلح إذا رأت أن قرارات الحكومة الفيدرالية “غير دستورية”.

 

واشنطن الحصن المنيع

المخاوف وموجات القلق قبل ساعات من تنصيب جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة وكامالا هاريس نائبة له الأربعاء في مبنى “الكابيتول”، حوّلت العاصمة واشنطن إلى حصن منيع حيث تشهد مراسم استلام السلطة إجراءات أمنية مشدّدة، بعدما أعلن الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب سابقًا عدم حضوره.

وانتشرت قوات الجيش في الشوارع كافة، ونشرت أسلاكًا شائكة وسياجًا عاليًا بعد الهجوم على الكابيتول في السادس من الشهر الجاري. ووسط هذا التأهب الامني، قال بايدن “يمكن للأميركيين أن يثقوا بأننا سنضمن حفل تنصيب آمنًا”. فيما تعهد نائب الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، مايك بنس، بضمان أمن حفل تنصيب بايدن واحترام تاريخ الولايات المتحدة وضمان انتقال السلطة بأمان إلى الرئيس المنتخب.

نائب رئيس مركز التطرف التابع لرابطة مكافحة التشهير أورين سيغال إن “إننا نشهد ازدهار نظرية المؤامرات في المستقبل”. وأضاف “يزعم المزيد من الناس أنهم ظلموا من قبل من هم في السلطة”. لافتًا إلى تزايد تطرف مؤيدي ترامب المخلصين وأن هناك من يُثني على تمجيد العنف ويُروّج لتعليمات متطرفة للتعامل مع المؤسسات الأميركية والقوى الأمنية تحت عناوين “استعادة أميركا” و”أميركا للأميركيين”.

احتمالات العنف في واشنطن ليست عالية كما كانت يوم غزوة الكابيتول بحسب الصحافي الاستقصائي مايكل إديسون هايدن. ومع ذلك، يقول مكتب التحقيقات الفيدرالي إنه تلقى مؤشرات على احتجاجات مسلحة” في جميع عواصم الولايات الخمسين في الأيام التي تسبق التنصيب.

وبالنسبة لسيغال، فإن “المتطرفين حذرون. إنهم يعرفون أنهم تحت المراقبة”، وكرر “ليس علينا القلق من اندلاع حرب أهلية قبل التنصيب بل يجب علينا أن نقلق من اندلاعها، فيما بعد”. ويتساءل سيغال “ماذا سيحدث عندما تغادر قوات الحرس الوطني؟ سيتجه الناس إلى الشبكات الاجتماعية لطرح الأسئلة؟ سيزيد أنصار ترامب وسيكونون منظمين جدًا في المرة القادمة. لقد رمى بذورًا لأعمال هجومية أخرى”.

 

الإرهاب داخل الجيش

الخطر على الأمة الأميركية ليس من قادمًا من الخارج بل من الداخل الأميركي. هذا التوجس يسكن الأميركيين في هذه الأميركيين. ويقول الصحافي الأميركي جاك تابر، “ركزنا على الإرهاب في الخارج ونسينا إرهاب الداخل”. وتصح نظرة تابر مع مخاوف عبّرت عنها وزارة الدفاع الأميركية من إمكانية وقوع “هجوم داخلي”، خلال مراسم تنصيب الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، يوم الأربعاء، بالعاصمة واشنطن، وذلك بحسب صحيفة “ديلي ميل” البريطانية.

هذه المخاوف دفعت مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي “أإف بي آي”، إلى إجراء فحص أمني على جميع أفراد قوات الحرس الوطني المكلفين بتأمين المراسم، والبالغ عددهم 25 ألف فرد.

وتعكس هذه العملية الضخمة حجم المخاوف الأمنية غير المسبوقة التي اجتاحت واشنطن في أعقاب عملية الاقتحام الدامية لمبنى الكونغرس، يوم السادس من الشهر الجاري، كما تعكس أيضًا حالة القلق من أن الأفراد المكلفين بتأمين المدينة خلال الأيام القليلة المقبلة يمكن أن يكونوا تهديدًا بالنسبة للرئيس القادم والشخصيات المهمة التي ستحضر مراسم التنصيب.

وتأتي هذه المخاوف من قوى الأمن بعد إلقاء القبض على أحد جنود الاحتياط في الجيش الذي وصفته وثائق المحكمة بأنه متعصب للبيض ومتعاطف مع النازية، وشجّع الغوغاء وارتكاب المزيد من أعمال العنف، قبل أن يتم توجيه الاتهامات رسميًا إليه، يوم الجمعة الماضي. وهذه دلائل على وجود آخرين في كافة الأجهزة الأمنية الأخرى يتم التحقيق مع البعض منهم.

وقال وزير الجيش الأميركي ريان مكارثي إن “المسؤولين يدركون وجود تهديد محتمل في مراسم التنصيب، وطالب القادة بأن يكونوا على علم تام بأي مشكلات تحدث في صفوف القوات مع اقتراب موعد تنصيب بايدن”.

بعيدًا عن سيناريوهات الحرب التي قد لا تحدث أبدًا، فإن الأشهر الأولى من ولاية الرئيس الأميركي السادس والأربعين ستكون شتاءً قارسًا وقاسيًا بالنسبة لبلاده وسيحتاج إلى وقتٍ طويلٍ لإزالة “سموم” ترامب، في ظل أجواء الانقسام والفوضى الأمنية وتزيد تحديات جائحة كورونا من أثقال العهد وسط تباين حاد في الكونغرس بين الجمهوريين والديموقراطيين حول السياسة المعتمدة لمواجهة الوباء.

 

رانيا برو

اظهر المزيد

رانيا برو

صحافية وكاتبة لبنانية. تحمل الإجازة في الإعلام من الجامعة اللبنانية. عملت في عدة مؤسسات اعلامية لبنانية وعربية مكتوبة ومرئية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: