وفاء سلطان تفتح مواجهة مع طائفية المعارضة السورية: إساءات مذهبية وصمت يكشف ازدواجية المواقف

أثارت الكاتبة السورية الدكتورة وفاء سلطان، المنحدرة من مدينة بانياس والمقيمة في الولايات المتحدة، نقاشاً واسعاً عبر منشور تناولت فيه تجربتها مع صفحة الحقوقي والناشط السياسي السوري المعارض أكثم نعيسة، المقيم في فرنسا، على خلفية تعليق تعرضت فيه لإساءة طائفية من أحد المتفاعلين مع صفحته.
وقالت سلطان إنها دخلت، قبل نحو أسبوعين، إلى صفحة نعيسة وعلّقت على أحد منشوراته، قبل أن يرد عليها أحد المتابعين بعبارة «أيتها النصيرية الحاقدة»، معتبرة أن ما تعرضت له لم يكن جديداً عليها، لكن ما أثار استياءها بصورة أكبر هو صمت صاحب الصفحة وعدم تدخله لرفض الإساءة أو وضع حد للخطاب الطائفي الصادر عن أحد المتفاعلين معه.
ووجّهت سلطان انتقاداً مباشراً إلى نعيسة، معتبرة أن موقعه الحقوقي والسياسي، إلى جانب خلفيته العلوية وتقديم نفسه بوصفه معارضاً علمانياً لا طائفياً، كان يقتضي منه اتخاذ موقف واضح إزاء استهدافها على أساس انتمائها الديني.
وفي المقابل، تنقل الكاتبة عنه تبريره لموقفه بأنه ينتمي إلى سوريا والإنسان السوري، ولا يضع نفسه تحت أي انتماء طائفي أو مناطقي، وأن كرامة السوريين ومصالحهم تتقدمان لديه على أي اعتبار آخر.
وفي سياق متصل، روت سلطان حواراً دار بينها وبين أحد مؤيدي النظام السابق، بعدما وصفها بأنها من المعارضة السورية، فردّت بأنها لا تنتمي إلى المعارضة ولا ترى نفسها ممثلة لها، مؤكدة أن موقفها من النظام السابق كان قائماً على رفض الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، لكنها ترفض في الوقت نفسه أن تُدرج ضمن معارضة ترى أنها أخفقت، خلال سنوات الحرب، في تقديم نموذج سياسي وأخلاقي جامع، وأن مظاهر التعصب والعنصرية داخل بعض أوساطها أسهمت في تقويض مصداقيتها.
كما تضع سلطان هذه التناقضات ضمن سياق سياسي وأمني أوسع تشهده البلاد، متوقفة عند الأداء الحاكم لسلطة الأمر الواقع في دمشق، برئاسة أحمد الشرع (الجولاني)، التي تسلطت على مقاليد الحكم باستخدام أدوات القمع والفرض القسري، إذ أثبتت هذه السلطة، عبر ممارساتها الإلغائية ونهجها الإقصائي المتشدد، أنها مجرد امتداد لمنظومة الاستبداد، ولكن بقالب طائفي أشد خطورة؛ إذ تعتمد على تقييد الحريات، وتصفية التعددية، وفرض الرؤية الأحادية على المجتمع السوري، مما يعمّق حالة التشرذم ويقضي على أي أمل في بناء دولة المواطنة.
وتقول سلطان إنها كانت ترى في نعيسة وعدد محدود من المعارضين العلويين نموذجاً مختلفاً داخل المعارضة السورية، إلا أن تجربتها مع بعض الصفحات والتعليقات المنشورة فيها دفعتها إلى إعادة النظر في هذه القناعة، خصوصاً في ظل ما تصفه بغياب اعتراض أصحاب الصفحات على الإساءات التي تستهدف أبناء طوائف أخرى. وترى أن الصمت أمام هذا النوع من الخطاب لا يقلل من خطورته، بل يترك المجال أمام تمدده وتطبيعه في النقاش العام.
وتذهب الكاتبة إلى أن الطائفية لم تكن مجرد نتيجة للحرب السورية، بل إن جذورها وخطاب الكراهية المتبادل سبقا اندلاعها، وأسهمَا في تهيئة البيئة الاجتماعية للصراع. وتنتقد ما تعتبره ازدواجية في التعامل مع الإهانات الموجهة إلى الأقليات، إذ تشير إلى أن بعض الشخصيات التي تصف نفسها بالمعتدلة تتجنب مواجهة الخطاب التحريضي الصادر عن أبناء الأكثرية، خشية اتهامها بالطائفية أو بالإخلال بمفهوم الانتماء الوطني.
وفي محاولة لتفنيد وصم العلويين جماعياً بالحقد والعنف، تطرح سلطان سلسلة من التساؤلات حول مسؤولية الطوائف عن أفعال أفراد أو جماعات، مستحضرة نماذج من التفجيرات والعمليات الإرهابية وجرائم تنظيم داعش، بما فيها استهداف المدنيين والمساجد والكنائس، واستعباد النساء الإيزيديات، وحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة. وتتساءل عن العلاقة بين هذه الجرائم والانتماء العلوي الذي يجري استحضاره في بعض الاتهامات الموجهة إليها، معتبرة أن تحميل طائفة كاملة مسؤولية أفعال أفراد آخرين يمثل تناقضاً في معايير الحكم على الجماعات الدينية.
كما تستحضر تجارب العراق والجزائر وليبيا والسعودية والأردن وتركيا وإندونيسيا، مشيرة إلى أن موجات العنف التي شهدتها هذه البلدان طالت مجتمعات ذات غالبية سنية، وأن ضحايا التنظيمات المتطرفة شملوا أعداداً كبيرة من أبناء البيئة التي خرجت منها تلك التنظيمات. وتستخدم هذه الأمثلة لطرح تساؤلات بشأن مصادر التطرف وآليات تشكّله، ودور الخطاب الديني والتنشئة الاجتماعية في إنتاجه، مع تأكيدها أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب نقاشاً صريحاً داخل المجتمعات المعنية، بدلاً من الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية.
وتربط سلطان بين انتشار الفكر المتشدد والبيئة الاجتماعية والتعليمية، متسائلة عن دور الأسرة والمؤسسات الدينية في ترسيخ ثقافة الإقصاء، وعن الكيفية التي تمكنت بها التنظيمات الجهادية، وفي مقدمتها داعش، من استقطاب عشرات الآلاف من المقاتلين. كما ترفض اختزال هذه الظاهرة في اتهام إيران أو النظام السوري السابق بالمسؤولية عن نشأتها، معتبرة أن مثل هذه التفسيرات تتجاهل الأسئلة المتعلقة بالمصادر الفكرية والاجتماعية للتطرف.
وفي المقابل، تشدد الكاتبة على أنها لا تعتبر أبناء الطائفة السنية كتلة واحدة مسؤولة عن الإرهاب، وتقول إن لديها أصدقاء من السنة تربطها بهم علاقات وثيقة، وإنها ترى في العقلاء والمستنيرين منهم طرفاً أساسياً في مواجهة خطاب الكراهية والتشدد، نظراً إلى موقعهم العددي والاجتماعي في المنطقة. وتدعو إلى دور أكثر وضوحاً من الشخصيات المعتدلة في رفض التحريض، وعدم ترك الساحة للأصوات الأكثر تطرفاً.
وتشير سلطان أيضاً إلى أن تنامي المخاوف الغربية من الحركات الجهادية والخطابات المتشددة أسهم، برأيها، في تعزيز تفضيل بعض الأطراف الدولية للاستقرار الذي توفره الأنظمة السلطوية على معارضات لا تنجح في إظهار بديل سياسي قادر على حماية التعددية وحقوق المكونات المختلفة.
وتختتم سلطان طرحها بالتأكيد على أن المستفيد من استمرار الانقسام الطائفي هم أصحاب السلطة والنفوذ، سواء أكانوا في المعارضة الفاشلة أم في سلطة دمشق القائمة بالقوة، برئاسة الجولاني، فيما يتحمل المواطن السوري، بمختلف انتماءاته، الكلفة الأكبر. وترى أن الصمت عن الإساءات والتحريض لا يشكل موقفاً محايداً بالضرورة، وأن بناء مشروع وطني حقيقي يتطلب مواجهة الاستبداد بكل أشكاله ومكافحة التمييز والتعصب في جميع الأوساط.
ويعيد المنشور، في جوهره، طرح إشكالية العلاقة بين الهوية الطائفية والانتماء الوطني داخل المشهد السوري، وحدود مسؤولية الشخصيات العامة والحقوقية عن الخطاب الذي يصدر من المنصات التي تديرها أو تشرف عليها، فضلاً عن التناقض بين الشعارات المعلنة والممارسة الفعلية في التعامل مع الاختلافات الدينية والسياسية.



