
ليست المراجعة الفكرية خيانةً للماضي، بل قد تكون أشجع أشكال الوفاء للحقيقة. فالإنسان الذي لا يراجع أفكاره بعد أن يرى نتائجها يتحول من صاحب قضية إلى أسير عقيدة، ومن باحث عن العدالة إلى حارس لأوهام التاريخ.
لم تكن السويداء مجرد مأساة إنسانية أخرى في سجل المآسي العربية. لقد كانت لحظة انكشاف كبرى، سقطت فيها أوهام الحماية، وتهاوت أمام دماء الأبرياء كثير من الشعارات التي حكمت وعينا السياسي لعقود.
ومن هنا أتابع باهتمام التحول الفكري والسياسي الذي يظهر في خطاب السيد وئام وهاب. فأنا لا أرى في مواقفه الأخيرة مجرد تبديل للتحالفات أو إعادة تموضع سياسي، بل أرى احتمال بداية مراجعة أعمق للتاريخ السياسي الذي عاشته مجتمعاتنا، وللأفكار التي حكمت خياراتنا لعشرات السنين.
ولعل ما جرى في السويداء، بما حمله من قتل وانتهاكات ومآسٍ إنسانية، كان إحدى اللحظات التي دفعت وئام وهاب إلى طرح أسئلة مختلفة حول معنى الحماية، وجدوى التحالفات، ومستقبل الصراعات التي أنهكت المشرق.
وأنا، القادم من ثقافة مجتمع علوي، أجد نفسي أميل بشدة إلى هذه المراجعة الفكرية، بل أعتبرها ضرورة تاريخية لم يعد ممكناً تأجيلها.
لقد عاشت مجتمعاتنا، ومنها المجتمع العلوي الذي نشأت في ثقافته، عقوداً من الخوف والصراعات والتحالفات المفروضة بحكم الجغرافيا والتاريخ والسياسة. وقد آن الأوان لأن نعيد النظر في كل شيء، دون خوف من الأسئلة أو تقديس للماضي، وأن نميز بين حماية الإنسان وحماية السلطة، وبين الانتماء إلى الوطن والانتماء إلى المحاور.
وعندما يُقتل الإنسان بسبب هويته، وعندما تصبح الطائفة تهمة والاختلاف مبرراً للإبادة، لا يعود السؤال: مع أي محور نقف؟ بل يصبح: أي فكر أنتج كل هذا الموت؟ وأي ثقافة سياسية جعلت الإنسان أقل قيمة من العقيدة والشعار؟
لقد عشنا عقوداً نعتقد أن التحرر الوطني يعني الصراع الدائم، وأن المقاومة هي الطريق الوحيد إلى الكرامة، وأن السلام ضعف، وأن التسويات خيانة. ولكن من حقنا اليوم أن نسأل: ماذا حررنا فعلاً؟ كم دولة بنينا؟ كم إنساناً أنقذنا؟ وكم جيلاً دفع ثمن حروب لم يخترها؟
إن القضية الفلسطينية، بكل عدالتها وحقوق شعبها، تحولت في أيدي أنظمة وتنظيمات كثيرة إلى عقيدة سياسية مغلقة، استُخدمت أحياناً لتبرير الاستبداد والحروب وتعطيل بناء الدول. وربما آن الأوان للتمييز بين حقوق الفلسطينيين التي لا تسقط، وبين الفكر السياسي الذي احتكر تمثيل هذه الحقوق وحوّلها إلى صراع مفتوح بلا أفق واضح.
فليس مطلوباً من اللبناني أن ينسى فلسطين، بل أن يتذكر لبنان أيضاً. وليس مطلوباً من الشيعي أن يتخلى عن تاريخه، ولا من الدرزي أو العلوي أو المسيحي أو السني أن يتنكر لهويته، بل أن يدرك الجميع أن الأوطان لا تُبنى بالخوف المتبادل، ولا تعيش المجتمعات إلى الأبد داخل خنادق الماضي.
إن التحرر الوطني الحقيقي لا يبدأ بتحرير الأرض وحدها، بل بتحرير العقل من الخوف، وتحرير السياسة من القداسة، وتحرير الإنسان من سلطة الشعارات التي تمنعه من التفكير.
والسلام ليس استسلاماً، كما أن الحرب ليست دائماً بطولة. السلام فعل عقلاني وأخلاقي حين يقوم على العدالة والحقوق والأمن المتبادل. أما تحويل العداء إلى هوية دائمة، فهو اعتراف ضمني بالعجز عن تخيل مستقبل مختلف.
إن ما جرى في السويداء يمكن أن يكون بداية سؤال أكبر بكثير من حدود الجبل والطائفة: هل يستطيع المشرق أن يخرج من قرن كامل من الثورات والانقلابات والحروب والهزائم إلى عصر جديد تكون فيه حياة الإنسان هي القضية المركزية؟
وهل نملك شجاعة الاعتراف بأننا أخطأنا، وأن بعض التحالفات التي اعتبرناها مقدسة لم تكن كذلك، وأن بعض المعارك التي تصورناها طريقاً إلى النصر لم تترك وراءها سوى المقابر والخراب؟
إن الاعتراف بالخطأ ليس سقوطاً سياسياً، بل بداية نضج تاريخي. والسياسي الذي يستطيع أن يقول إن الوقائع غيرت قناعاته يفتح باباً أوسع من مجرد تبديل التحالفات: باب تحرير الفكر من أسر ذاته.
ولعل الدرس الفلسفي الأعمق لمأساة السويداء هو أن الإنسان يسبق القضية، وأن الكرامة تسبق الأيديولوجيا، وأن حق الحياة لا يجوز أن يكون مشروطاً بالانتماء الديني أو السياسي.
من المراجعة الفكرية إلى العمل السياسي
لكن المراجعة لا تكتمل بالاعتراف بالأخطاء، بل تبدأ منه. ولذلك فإنني أدعو إلى إطلاق حوار فكري وسياسي عربي واسع، لا يحتكره حزب أو مذهب أو زعيم، ويشارك فيه المثقفون والمفكرون ورجال السياسة وممثلو الأجيال الجديدة، لمناقشة حصيلة عقود من الصراعات والتحالفات والهزائم.
وأرى أن بإمكان شخصيات سياسية مثل وئام وهاب، ممن بدأوا طرح الأسئلة الصعبة حول الماضي، أن تساهم في فتح هذا الحوار، لا باعتبارها مالكة للحقيقة الجديدة، بل باعتبارها جزءاً من مراجعة جماعية لا تستثني أحداً.
ولتكن الخطوة الأولى عقد مؤتمر للمراجعة التاريخية والسياسية، ينطلق من لبنان وينفتح على سوريا وفلسطين وسائر المشرق، يناقش بشجاعة مفهوم المقاومة، وحدود السيادة الوطنية، والعلاقة بين الدين والدولة، ونتائج الصراعات الإقليمية، وإمكانات السلام.
ولتنبثق عن هذا المؤتمر لجان مستقلة لدراسة التجارب السابقة، وتوثيق الانتهاكات، وصياغة ميثاق جديد للتحرر الوطني، يجعل حماية الإنسان وسيادة القانون وبناء الدولة والتنمية الاقتصادية أساساً لأي مشروع سياسي.
ولا بد أن تترافق هذه المراجعة مع برنامج عملي يبدأ بحماية المدنيين، وضمان حقوق جميع المكونات، ورفض التحريض الطائفي، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وفتح حوار إقليمي جاد حول الأمن والسلام والحقوق المتبادلة.
إن المطلوب ليس استبدال عقيدة مغلقة بأخرى، ولا الانتقال من تقديس الحرب إلى تقديس السلام دون شروط، بل تأسيس عقل سياسي نقدي يقيس نجاح الأفكار بنتائجها على حياة البشر.
فالثورة الفكرية التي نحتاجها اليوم ليست ثورة على الآخر، بل ثورة على أفكارنا حين تصبح عاجزة عن حماية الحياة.
وأقولها بوضوح، من موقع انتمائي الثقافي إلى المجتمع العلوي، ومن إيماني بأن مستقبل شعوب المشرق لا يجوز أن يبقى رهينة حروب الآخرين: إنني أميل بشدة إلى هذا المسار من المراجعة، وأتمنى أن يتحول من أصوات فردية متفرقة إلى نقاش فكري واسع تشارك فيه جميع مجتمعات المنطقة.
لا أريد أن تكون حماية العلوي مرتبطة بخوف الدرزي، ولا أمن الدرزي مرهوناً بضعف السني، ولا مستقبل الشيعي قائماً على صراع دائم مع محيطه. أريد دولة تحمي الجميع، وسلاماً يحترم الجميع، وحرية لا تحتاج إلى إذن من طائفة أو سلطة.
وربما تكون السويداء، بما حملته من ألم، إحدى اللحظات التي تجبر العقل السياسي العربي على مواجهة السؤال الذي تهرب منه طويلاً:
هل نريد أن نورث أبناءنا قضايا لا تنتهي، أم أوطاناً يستطيعون أن يعيشوا فيها أحراراً وآمنين؟
إن التاريخ لا يتقدم عندما نكرر شعارات آبائنا، بل عندما نمتلك الشجاعة لنقول إن المستقبل يستحق أفكاراً أكثر إنسانية من تلك التي قادتنا إلى الخراب.
ولنبدأ المراجعة اليوم، لا غداً. فالشجاعة ليست في الدفاع الأبدي عن أفكارنا، بل في القدرة على تغييرها عندما تثبت التجربة أنها لم تعد تخدم الإنسان.



