
أعلن مظلوم عبدي حل قوات سوريا الديمقراطية “قسد” كقوة عسكرية مستقلة والبدء بدمجها ضمن مؤسسات الدولة، بالتزامن مع طرح توليه مسؤولية الملف الكردي ضمن الرئاسة السورية. لكن الإعلان لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الكردي أو تفكيك بنيته السياسية والعسكرية، بل قد يمثل انتقالاً إلى ترتيب جديد يجري تثبيته داخل مؤسسات الدولة، مع بقاء شكل الإدارة والسيطرة الفعلية في المناطق الكردية موضع اختبار.
الملف الكردي في الشمال يختلف جذرياً عن ملف الجنوب. فوجود قوة كردية منظمة على الحدود يمثل قضية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي التركي، ما يجعل أنقرة طرفاً أساسياً في أي تسوية نهائية، بينما تحاول دمشق تقديم عملية الدمج باعتبارها استعادة كاملة للسيطرة المركزية.
أما الجنوب السوري، فيتحرك ضمن معادلة مختلفة بعدما أعلنت إسرائيل توجهها نحو إبقاء الجنوب منطقة منزوعة السلاح ضمن اعتبارات أمنها القومي، بالتوازي مع استمرار وجودها العسكري وتحركاتها في المنطقة. وهذا يجعل أي ترتيبات مستقبلية في الجنوب مرتبطة بمعادلة أمنية تتجاوز دمشق وحدها.
وفي السويداء تحديداً، تبدو التسوية أمام مسار أكثر خصوصية. فالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو أي صيغة أخرى تمنح المنطقة صلاحيات واسعة ليست سوى تسميات مختلفة لمسار واحد في جوهره: حماية خصوصية السويداء، ومنحها قدرة أكبر على إدارة شؤونها المحلية والسياسية والأمنية، ومنع إعادة إخضاعها لنموذج مركزي تفرضه دمشق. لذلك، فإن الخلاف المقبل قد لا يكون حول المبدأ بقدر ما سيكون حول اسم الصيغة وحدود صلاحياتها وضماناتها.
وتكشف هذه المسارات أن سوريا لا تتجه نحو نموذج سياسي واحد. الشمال تحكمه معادلة كردية تركية، والجنوب تحكمه معادلة أمنية إسرائيلية ومحلية، فيما تحاول سلطة الجولاني تثبيت مركزية تصطدم بوقائع جديدة على الأرض.
وبذلك، فإن إعلان حل “قسد” قد يكون بداية تفاوض جديد أكثر منه نهاية للملف الكردي، فيما تتجه السويداء نحو تثبيت خصوصيتها ضمن صيغة سياسية وإدارية جديدة، أياً كان الاسم الذي ستُعتمد به لاحقاً.



