
تتضح ملامح المقايضة السياسية والأمنية التي تخوضها سلطة دمشق مع القوى الدولية، بالتزامن مع القرار الأمريكي الأخير برفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء تصنيف «جبهة النصرة»؛ إذ تُظهر القراءة السياسية الحصيفة أن منح السلطة الحاكمة جرعة إضافية من الشرعية الدولية يرتبط بتفاهمات وتنازلات تمسّ الجنوب السوري ومستقبله.
وتأتي هذه التطورات في سياق تحركات ميدانية وسياسية متسارعة، شملت جولة لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي في المنطقة العازلة واجتماعات غير معلنة، غير أن الحدث الأبرز الذي أعاد رسم المشهد هو الموقف الدرزي الحاسم في السويداء؛ إذ أعلن أبناء المنطقة رفضًا قاطعًا ومطلقًا لسلطة الجولاني وتمددها، متمسكين بهويتهم الاجتماعية واستقلال قرارهم المحلي. وأمام هذا الصمود الميداني والرفض الشعبي الصلب، وجدت سلطة الجولاني نفسها مجبرة على الرضوخ التام والانصياع لأمر واقع فرضته الإرادة المحلية، ممثلةً بالاستجابة الكاملة لشروط ومطالب الدروز، وفي مقدمتها الحفاظ على أمن مناطقهم وخصوصيتها، ورفض أي فرض لسيطرته الأمنية عليها.
أدى هذا الرفض المباشر والصمود الدرزي إلى إجبار سلطة الجولاني على الانكفاء وإعادة ضبط المعادلة في الجنوب، مؤكدًا أن أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن لها أن تتجاهل الإرادة الصلبة لأبناء السويداء. وفي المقابل، تواصل واشنطن استخدام ملف التصنيف كورقة ضغط وابتزاز سياسي للاستمرار في التأثير على مسار الحل السياسي، في مشهد يعكس تعقيد التداخلات الإقليمية والدولية.
أما على الصعيد الداخلي، فيبقى المشهد الاقتصادي هو الاختبار الأصعب لكشف عجز السلطة؛ فبينما يُروَّج إعلاميًا لانفراجات، يواجه المواطن السوري واقعًا معيشيًا قاسيًا تعكسه الأرقام اليومية؛ إذ يلامس سعر صرف الدولار 14 ألف ليرة سورية، وتتجاوز تكلفة ربطة الخبز 6 آلاف ليرة، في حين تبلغ نفقات تجهيز الطالب المدرسي نحو 600 ألف ليرة، ناهيك عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية التي تثقل كاهل الأسر. هذه الأرقام تعكس فجوة حادة بين الخطاب السياسي واحتياجات الناس الملحّة، وتؤكد أن أي شرعية خارجية تكتسبها سلطة الجولاني لا يمكنها تعويض غياب الحلول الاقتصادية الملموسة أو فرض قبول شعبي مفقود.
وفي المحصلة النهائية، أثبتت التطورات الأخيرة أن الدروز في السويداء ليسوا مجرد ورقة في المعادلات الإقليمية، بل طرف فاعل فرض حضوره على الجميع. وبعد أن أُجبرت سلطة الجولاني بالفعل على الرضوخ لمطالبهم والتراجع أمام ثباتهم، يتأكد أن قوة المجتمع المحلي قادرة على حماية مصالحه، وأن أي استقرار حقيقي في سوريا، وخصوصًا في الجنوب، يجب أن ينطلق من إرادة أبنائه ورفض الهيمنة القسرية.
وفي ظل استمرار الضغوط الدولية والتحديات الداخلية، يبقى احتمال الدفع نحو تسوية إقليمية أوسع، قد تُطرح في إطار تفاهمات شبيهة باتفاقية «كامب ديفيد»، حاضرًا في المشهد السياسي. غير أن أي اتفاق يُبرم بعيدًا عن الإرادة الشعبية وحقوق السوريين لن يضمن استقرارًا مستدامًا. ومن هذا المنظور، فإن استمرار عجز السلطة عن معالجة الأزمات الداخلية وفرض قبولها على المجتمع قد يجعل رحيلها في نهاية المطاف نتيجة طبيعية لمسار سياسي فقد مقومات الاستمرار، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على إرادة السوريين وحقوق مكوّناتهم، وفي مقدمتهم أبناء الجنوب والدروز في السويداء.



