أحوال الموحدين

إحياء ذكرى مجازر السويداء في منزل المرجع الروحي للموحدين الدروز الشيخ أمين الصايغ

أقيم في منزل المرجع الروحي الأعلى لطائفة الموحدين الدروز تجمعاً بمناسبة الذكرى السنوية الاولى لمجازر السويداء، وذلك بحضور أركان الهيئة الدينية وحشد من أبناء طائفة الموحدين الدروز وذوي شهداء السويداء.

وألقى الشيخ الصايغ كلمة تطرق فيها الى ذكرى المجازر، وجاء في الكلمة ما يلي:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْحَمْدَ، وَالرِّضَا، وَالسُّكُونَ، وَالثِّقَةَ. فَإِنَّ فِي الْحَمْدِ لَكَ زِيَادَةً، وَفِي الرِّضَا مِنْكَ قُرْبَةً، وَفِي السُّكُونِ إِلَيْكَ نِعْمَ التَّوَكُّلُ، وَفِي الثِّقَةِ بِعَدْلِكَ إِخْلَاصًا وَمُصَافَاةً. وَأَنْتَ أَوَّلُنَا فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَآخِرُنَا عِنْدَ كُلِّ رَجَاءٍ وَأَمَلٍ، يَا مَنْ لَا يَضِيعُ عِنْدَهُ حَقٌّ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ ظُلْمٌ.

وَبَعْدُ، إِخْوَانِيَ الْمُوَحِّدِينَ، فِي الذِّكْرَى الْأُولَى لِلْمَجَازِرِ الَّتِي طَالَتْ أَهْلَنَا فِي السُّوَيْدَاءِ، ذِكْرَى الدَّمِ الَّذِي سَالَ عَلَى تُرَابِهَا مِنْ شُيُوخِهَا وَأَطْفَالِهَا شَبابِها وَنِسَائِهَا، دَمِ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ هٰذَا الْجَبَلُ عَلَى نَفْسِهِ مُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ:
أَنْ يَبْقَى بِكَرَامَةٍ، وَأَنْ يَشْهَدَ لِلْحَقِّ. هٰذَا الْجَبَلُ الَّذِي ارْتَوَى بِالدِّمَاءِ الزَّكِيَّةِ هٰذِهِ، لَمْ يَكُنْ أَرْضًا لِلْفَنَاءِ، بَلْ مِحْرَابَ اتِّصَالٍ بَيْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِبَادِهِ…
وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْإِخْوَانُ أِنَّ الْعَدْلَ مِيزَانُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، وَلِلْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ، فَمَنْ أَزَالَ مِيزَانَ اللهِ عَمَّا وَضَعَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَقَدْ جَهِلَ أَعْظَمَ جَهَالَةٍ، وَاغْتَرَّ بِاللهِ أَشَدَّ الِاغْتِرَارِ.
فِي هٰذِهِ الذِّكْرَى الْأَلِيمَةِ، نَسْتَذْكِرُ النُّورَ الْإِنْسَانِيَّ الْمُشْرِقَ، الَّذِي تَمَثَّلَ فِي إِخْوَتِنَا مِنَ الْجَالِيَاتِ الْمُغْتَرِبَةِ؛ إِذْ وَقَفُوا مَعَكُمْ بِكُلِّ مَا أُتِيحَ لَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ، يَمُدُّونَ يَدَ الْعَوْنِ الْمَادِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَيَكْسِرُونَ حَوَاجِزَ الْعُزْلَةِ، مُؤَكِّدِينَ أَنَّ رَوَابِطَ الْأُخُوَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ أَقْوَى مِنْ كُلِّ الْحُدُودِ.
إِنَّ هٰذَا الْمَوْقِفَ النَّبِيلَ يَسْتَحِقُّ مِنَّا كُلَّ تَقْدِيرٍ وَامْتِنَانٍ، وَهُوَ نَمُوذَجٌ حَقِيقِيٌّ لِلتَّضَامُنِ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ الْأَمَلُ.

إِلَى أَهْلِنَا فِي السُّوَيْدَاءِ الصَّامِدِينَ فِي مِحْنَتِهِمْ،
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ أَصْحَابُ الْقَضِيَّةِ الْعَادِلَةِ،

الِانْتِمَاءُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ شَهَادَةً مِنْ أحد. فَأَنْتُمْ لَسْتُمْ خَارِجَ الْوَطَنِ، أَنْتُمُ الْوَطَنُ الَّذِي يُقَاوِمُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى تَرِكَةٍ يَتَقَاتَلُ عَلَيْهَا الْوَرَثَةُ. هٰذَا لَيْسَ انْعِزَالًا، بَلْ وَعْيُ مَنْ يَشْعُرُ بِالْعَجْزِ عَنْ تَغْيِيرِ الْوَاقِعِ، لِأَنَّ وَعْيَكُمْ لَا يُسْتَجْلَبُ بِالْأَوَامِرِ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ تَجْرِبَتِكُمْ، وَثَمَرَةُ صِدْقِكُمْ مَعَ الذَّاتِ، وَخِبْرَةٌ فِي خَيْبَاتِ الْأَمَلِ…
نَحْنُ هُنَا لَا نَتَحَدَّثُ كَطَرَفٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ كَأَصْوَاتٍ تُؤْمِنُ بِأَنَّ السَّلَامَ وَالِاسْتِقْرَارَ لَا يَتَحَقَّقَانِ إِلَّا حِينَ يُصْغَى إِلَى أَصْوَاتِ الْمَظْلُومِينَ، وَتُحْتَرَمُ حُقُوقُهُمُ الْأَسَاسِيَّةُ فِي الْعَيْشِ بِأَمَانٍ وَحُرِّيَّةٍ وَكَرَامَةٍ. وَإِنَّ مُسْتَقْبَلًا مُسْتَقِرًّا لِأَيِّ مِنْطَقَةٍ لَا يُبْنَى إِلَّا عَلَى أَسَاسِ الْعَدَالَةِ، وَالِاعْتِرَافِ بِحُقُوقِ جَمِيعِ مُكَوِّنَاتِهَا، وَعَلَى الْحِوَارِ الَّذِي يَضْمَنُ عَدَمَ إِقْصَاءِ أَحَدٍ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، الطَّرِيقُ أَمَامَكُمْ طَوِيلٌ، غَيْرَ أَنَّ رَجَاءَنَا وَأَمَلَنَا أَنْ يَكُونَ كُلُّ قَرَارٍ ثَمَرَةَ إِرَادَةٍ حُرَّةٍ خَالِصَةٍ، تُنْهِي الْمُعَانَاةَ، وَتَبْنِي لَكُمْ وَلِأَبْنَائِكُمْ غَدًا كَرِيمًا آمِنًا.

وَبَعْدُ، مِنْ سَعَةِ هٰذَا الرَّجَاءِ الْإِنْسَانِيِّ الَّذِي يَسَعُ الْقُلُوبَ جَمِيعَهَا، نُفْضِي إِلَى خُصُوصِيَّتِنَا الْوَطَنِيَّةِ…

إِخْوَانِيَ الْمُوَحِّدِينَ فِي لُبْنَانَ، نَقِفُ الْيَوْمَ عَلَى عَتَبَةِ لَحْظَةٍ فَارِقَةٍ فِي مَسَارِ الْأُمَمِ، لَحْظَةٍ تُخْتَبَرُ فِيهَا هُوِيَّاتُ الْمُجْتَمَعَاتِ وَانْتِمَاؤُهَا وَمَنَاعَتُهَا فِي أَتُونِ الصِّرَاعَاتِ وَالتَّجَاذُبَاتِ، بَيْنَ مَشَارِقِ الْإِرَادَاتِ وَمَغَارِبِهَا.
وَإِذْ يَمْلِكُ الْفَرْدُ أَنْ يَنْعَزِلَ أَوْ يَسْتَقِيلَ، فَإِنَّ الْأُمَمَ وَالْمُجْتَمَعَاتِ لَا تَسْتَطِيعُ ذٰلِكَ. وَتَبْقَى مَكَانَتُهَا وَرِفْعَتُهَا وَعُلُوُّ شَأْنِهَا حِرْفَةَ «الْحُكَمَاءِ» وَ«النُّخَبِ»، وَمَدَى وَعْيِهِمْ بِـ«اللَّحْظَةِ» عِنْدَ نُقْطَةِ التَّحَوُّلِ الْكُبْرَى.
وَإِذْ يَبْرُزُ أَمَلٌ مُشْرِقٌ يَتَمَثَّلُ فِي مَلَامِحِ الصَّحْوَةِ فِي الشَّبَابِ الدُّرْزِيِّ فِي الدَّاخِلِ وَالِاغْتِرَابِ، يَنِمُّ عَنْ وَعْيٍ بِأَهَمِّيَّةِ «اللَّحْظَةِ»، وَيَرْشَحُ عَنْهُ تَسَاؤُلٌ عَمِيقٌ وَبَحْثٌ عَنْ رُؤْيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ نُطِلُّ بِهَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
رُؤْيَةٍ تَسْتَرِدُّ الْمُجْتَمَعَ التَّوْحِيدِيَّ مِنْ وَادِي التَّفْرِقَةِ وَالتَّشَتُّتِ. وَإِنَّ مِنْ حَقِّ طَائِفَةِ الْمُوَحِّدِينَ الدُّرُوزِ فِي لُبْنَانَ أَنْ تَنْأَى بِنَفْسِهَا عَنْ تَوَجُّهَاتِ مُجْتَمَعَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ حَيْثُ الْجُغْرَافِيَا وَالتَّجْرِبَةِ وَالتَّارِيخِ، دُونَ أَنْ تَنْأَى بِنَفْسِهَا عَنْ جِرَاحِهِمْ وَهَوَاجِسِهِمْ. وَأَنْ تَصْحُوَ عَلَى مَا هُوَ أَصِيلٌ فِي قِيَمِهَا التَّوْحِيدِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالْحَضَارِيَّةِ.
إِخْوَانِيَ الْمُوَحِّدِينَ، نُرِيدُ أَنْ نَبْقَى وَاحَةَ هٰذَا الْوَطَنِ وَسُورَهُ مَهْمَا تَعَثَّرَ. وَانْطِلَاقًا مِمَّا سَبَقَ، فَإِنَّ أَيَّ رُؤْيَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ لَا بُدَّ أَنْ تَقُومَ عَلَى مَبَادِئَ قِيَمِيَّةٍ تَوْحِيدِيَّةٍ:

أَوَّلُهَا: لَقَدْ بَقِينَا فِي هٰذَا الشَّرْقِ قُرُونًا لَا لِأَنَّنَا الْأَقْوَى أَوِ الْأَكْثَرُ عَدَدًا؛ بَلْ لِأَنَّ فِينَا بَقَايَا قِيَمٍ تَوْحِيدِيَّةٍ وَمَوَارِيثَ حَضَارِيَّةٍ كَانَتْ تَحْفَظُنَا، فَإِنْ غَابَتْ هٰذِهِ الْقِيَمُ وَالْمَوَارِيثُ… فَلَنْ يَحْفَظَنَا شَيْءٌ!
وَعَلَيْهِ، تَغْلِيبُ لُغَةِ الْحِكْمَةِ الْمَوْرُوثَةِ –كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ–: التَّمَسُّكُ بِالنَّهْجِ التَّارِيخِيِّ الْقَائِمِ عَلَى الْعَقْلَانِيَّةِ…
وَهٰذِهِ دَعْوَةٌ لِتَجَنُّبِ الْوُقُوعِ فِي فَخِّ النِّدَاءِ السَّهْلِ!
نُرِيدُ أَنْ يَبْقَى الِاخْتِلَافُ السِّيَاسِيُّ اخْتِلَافًا فِي الرَّأْيِ، لَا قَطِيعَةً فِي الْقُلُوبِ، فَأَخْطَرُ مَا يُصِيبُ الشُّعُوبَ لَيْسَ اخْتِلَافَهَا، بَلْ تَحَوُّلُ الِاخْتِلَافِ إِلَى نَزْعِ الْإِنْسَانِيَّةِ عَنْ بَعْضِنَا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَوْطَانَ لَا تَنْهَارُ فَقَطْ بِسَبَبِ الْهَزَائِمِ الْعَسْكَرِيَّةِ، بَلْ حِينَ تَفْقِدُ مُجْتَمَعَاتُهَا قُدْرَتَهَا عَلَى رُؤْيَةِ الْآخَرِ بِوَصْفِهِ شَرِيكًا فِي الْمَصِيرِ، لَا خَصْمًا فِي الْوُجُودِ.
وَثَانِيهَا: لَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الدَّوْرِ الْجَامِعِ لِلْمُؤَسَّسَاتِ الدِّينِيَّةِ الدُّرْزِيَّةِ، بِوَصْفِهَا تَعْبِيرًا عَنْ عَقْدٍ طَوْعِيٍّ لِكَافَّةِ فِئَاتِ الْمُجْتَمَعِ التَّوْحِيدِيِّ. وَهٰذَا مَا يُمَكِّنُهَا مِنْ حَمْلِ أَمَانَةِ الرُّؤْيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَتَعْزِيزِ قُدْرَتِهَا عَلَى التَّوَاصُلِ السَّلِيمِ –وَأُشَدِّدُ عَلَى كَلِمَةِ السَّلِيمِ– مَعَ كَافَّةِ الْمُجْتَمَعَاتِ الدُّرْزِيَّةِ وَالشَّبَابِ فِي الدَّاخِلِ وَالِاغْتِرَابِ.
خِتَامًا، أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، لَا تَنْتَظِرُوا أَنْ يَتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِكُمْ، ابْدَؤُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ:

كُونُوا عَادِلِينَ.. وَلَوْ خَالَفَكُمُ الْعَدْلُ.
كُونُوا صَادِقِينَ.. وَلَوْ كَلَّفَكُمُ الصِّدْقُ.
كُونُوا جُسُورًا.. لَا جُدْرَانًا.

لِلشُّهَدَاءِ رَحْمَةُ اللهِ. نَسْتَقْبِلُ هٰذِهِ الذِّكْرَى بِعَهْدٍ لَا يَنْقَطِعُ.. أَنَّ حَقَّ الشُّهَدَاءِ بَاقٍ عِنْدَ الْعَدَالَةِ الْإِلٰهِيَّةِ، وَكَرَامَتَهُمْ مَصُونَةٌ فِي الْقُلُوبِ وَالضَّمَائِرِ.

اللَّهُمَّ إِنَّا فَتَحْنَا كَلَامَنَا بِذِكْرِكَ، رَاجِينَ عَفْوَكَ بِحَسَبِ تَفَضُّلِكَ، لَا بِحَسَبِ اسْتِحْقَاقِنَا.. وَنَخْتِمُ أَيْضًا بِمَا بَدَأْنَا بِهِ، رَغْبَةً فِي رَحْمَتِكَ لَنَا، وَتَجَاوُزِكَ عَنَّا، وَرِفْقِكَ بِنَا. إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى