ملفات ساخنة

هندسة “الجيش الجديد” في سوريا.. فيالق لتكريس الهيمنة التكفيرية وصفقة بيع الجنوب

تتكشف تباعاً ملامح المخطط الساعي لتثبيت ركائز النظام الجديد في دمشق عبر مشروع واسع لإعادة هيكلة ما يسمى “الجيش السوري”، حيث أظهرت معلومات مسربة تقسيم القوات المسلحة إلى خمسة فيالق عسكرية تتقاسم النفوذ الجغرافي، في خطوة ظاهرها تنظيم القيادة وبناء مؤسسة نظامية، وباطنها إطباق الهيمنة المطلقة لتنظيم “هيئة تحرير الشام” وتجريد بقية المكونات العسكرية من أي فاعلية.

هذا التوزيع العسكري المستحدث وضع الفيلق الأول (المنطقة الشرقية) تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم المعروف بـ “أبو محمد شورى”، والفيلق الثاني (المنطقة الشمالية) بقيادة العميد عواد الجاسم المعروف بـ “قتيبة منبج”، بينما تولى الفيلق الثالث (المنطقة الوسطى) العميد هيثم العلي المعروف بـ “أبو مسلم آفس”، والفيلق الرابع في العاصمة دمشق بقيادة العميد عمر محمد جفتشي المعروف بـ “مختار التركي”، وصولاً إلى الفيلق الخامس (المنطقة الغربية والساحل) بقيادة العميد منير الشيخ المعروف بـ “أبو أسامة”.

الخطير في هذه الهيكلية المعلنة ليس مجرد توزيع المسميات، بل الأرقام الفاضحة لسياسة الاستحواذ الكلي؛ فبينما لا تشكل “هيئة تحرير الشام” سوى 12% فقط من التعداد الإجمالي للجيش الحالي البالغ 75 ألف مقاتل (حيث يضم 9 آلاف من الهيئة، مقابل 35 ألفاً من فصائل ما يسمى الجيش الوطني، و20 ألفاً من ما تسمى الجبهة الوطنية)، فإن الهيئة تستأثر بـ 70% من قيادة الفرق العسكرية، بواقع 14 فرقة من أصل عشرين، فضلاً عن السيطرة المطلقة على قادة الفيالق الخمسة المستحدثة. ولم يكتفِ أحمد الشرع بهذا الاحتكار، بل فرض على الفرق الست المتبقية التي تقودها شخصيات من خارج الهيئة—مثل خالد خطاب، وأحمد رزق، ومحمود خطاب، وأبو عمشة، وسيف أبو بكر، وأبو حاتم شقرا—إدراج 500 عنصر من كوادر الهيئة داخل كل فرقة، مع تعيين رئيس الأركان وضابط الأمن حصراً من صفوفها، في خطوة أمنية تهدف لوضع تلك القيادات بين فكي كماشة وضمان تبعيتها وكف يدها عن أي تحرك مستقبلي.

وتأتي هذه الترتيبات الإقصائية لتؤكد إصرار المنظومة الحالية على تهميش كافة قوى ما تسمى “الثورة المزعومة” وتحويل فصائلها إلى مجرد “كومبارس” لخدمة أجندة فصائلية ضيقة يقودها نهج سلفي تكفيري متجذر؛ إذ تشير المعطيات العقائدية داخل المعسكرات إلى أن أكثر من 40% من عناصر الهيئة ما زالوا يتبنون فكر “جبهة النصرة” المتطرف ويكفرون الفصائل الأخرى. والغريب في بناء هذا الجيش المزعوم هو الاعتماد المباشر على آلاف المقاتلين الأجانب المدرجين على قوائم الإرهاب الدولية والمطلوبين للمحاكم القضائية في بلدانهم بتهم الإرهاب، كفصائل “التركستان” و”الأيغور” و”أنصار التوحيد” الذين انضووا تحت الفرقتين 82 و84، ليتبين أن فصائل الثورة المزعومة، بما فيها “حركة نور الدين الزنكي” وبقايا “أحرار الشام”، لم تكن سوى أدوات ارتبطت ببيعات سرية لهيئة تحرير الشام وتتقاضى منها مخصصات مالية شهرية تتراوح بين 150 ألفاً و250 ألف دولار لضمان ولائها الصامت.

وفي المقابل، يفضح هذا التمدد العسكري والاستعراض التنظيمي سؤالا استراتيجياً  حول غياب أي أثر أو تشكيل لهذا الجيش في الجنوب السوري، وهو ما تفسره مصادر مطلعة بالخلفيات السرية لـ “اجتماع باكو” الذي جمع مسؤولين من سلطة الجولاني مع مسؤولين إسرائيليين؛ حيث قضت الصفقة ببيع الجنوب السوري وتحويله بالكامل إلى منطقة أمنية عازلة خاضعة للنفوذ الإسرائيلي.

وفي محاولة لتمرير هذه الصفقة أمام حاضنته الراضية، يسعى الجولاني لإقناع محيطه بأن ترك الجنوب بؤرة للاقتتال الفصائلي والفوضى العبثية بين فصائل الجنوب السوري هو تكتيك متعمد لإشغال إسرائيل وإقلاقها، بينما الحقيقة على الأرض تؤكد تنفيذ البنود الأمنية المتفق عليها مع الأطراف الخارجية، والتي اشترطت أساساً رفع تعداد الجيش إلى 150 ألفاً، يكون نصفه من الفصائل الحالية والنصف الآخر يدمج من الدروز والكرد والعلويين وباقي المكونات وجماعات التسويات التابعة للنظام السابق، وهو ما يعري كذبة بناء دولة مؤسسات مستقلة، ويكشف عمق الارتباطات الاستخباراتية البريطانية والأمريكية التي تعود إلى ما قبل الأحداث السورية بسنوات .

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى