
أحوال ميديا
صدر مؤخرًا قرار عن المجلس الوطني للمقالع والكسارات مدعم بقرارات من مجلس الوزراء يقضي بمنح شركات الترابة في الشمال ترخيصًا بالعودة إلى استثمار المقالع المفتوحة في منطقة الكورة وبالتحديد في كفرحزير وبدبهون. يأتي هذا القرار في سياق يُثير تساؤلات جدية حول الأولويات البيئية والصحية للمنطقة، خاصة وأن الكورة سبق أن دفعت أثمانًا باهظة جرّاء نشاطات استخراجية سابقة استمرت لما يزيد عن السبعة عقود دون حسيب او رقيب.
ثمن بيئي تدفعه بلدتان
تقع بلدتا كفرحزير وبدبهون في قلب المنطقة المتأثرة بالمقالع. لسنوات، عانت هاتان البلدتان من:
– تلوّث الهواء الناجم عن غبار الكسارات والجرافات والشاحنات الثقيلة
– تدهور نوعية المياه الجوفية بسبب التفجيرات التي طالت الجبال مصدر المياه الجوفية
– ارتفاع معدّلات امراض السرطان والأمراض التنفسية بين الأطفال وكبار السن وسببت النسبة الأكبر من الوفيات
– تشويه المشهد الطبيعي والإنتاج الزراعي لمنطقة خضراء رائعة الجمال
هذه ليست مجرد “مخاوف”، بل واقع عاشته الأجيال المتعاقبة في البلدتين. إعادة فتح المقالع تعني إعادة هذا الواقع، لا استشرافًا لمستقبل أفضل.
بلدية كفرحزير: بيان رسمي يوثّق الاعتراض
في 5 أيار 2026، أصدرت بلدية كفرحزير بيانًا رسميًا يوثّق موقفها المؤسساتي من هذا الملف. البيان، الذي حمل توقيع رئيس البلدية إبراهيم أسعد جحى، يكشف عن محاولات متكررة من رئيس اتحاد بلديات الكورة لاختصار موقف البلدية وفرض قرارات منفردة. ويُشير البيان إلى أن رئيس الاتحاد “تعمّد إبعاد بلدية كفرحزير عن اجتماعات الاتحاد”، وأنّه “أصدر بيانًا استنكرت فيه سلوك رئيس الاتحاد”.
الوثيقة الرسمية تؤكد أن بلدية كفرحزير، باعتبارها عضوًا في اتحاد بلديات الكورة، لم تكن طرفًا في النقاشات التي سبقت القرار، وأن رئيس الاتحاد تجاوز الأصول الإدارية والقانونية بإصدار قرارات منفردة تتعارض مع مصلحة البلدة. وتجاوز كل الخطوط عندما قرر ان يكون شريكاً لمجلس الوزراء في قراراته فتح المقالع من خلال كتابها الى وازرة البيئة التي سلمت للوزارة دون علم مجلس الاتحاد الذين اطلعوا عليها لاحقاً في مخالفة مشهودة. بدبهون قرية صغيرة ليس لديها بلدية لكن مختارها السيد سليم الايوبي يقف ايضاً رافضاً لقرار الترخيص لما عانته بلدته ايضاً.
انسحاب بلديتين: إنذار مؤسساتي
لم يكن الاعتراض على هذا التوجه حكرًا على الأهالي فحسب. بلديتا كفريا وكفرحزير اتخذتا خطوة استثنائية بالانسحاب من اتحاد بلديات الكورة، في رسالة واضحة بأن القرار البيئي لا يمكن أن يُتخذ دون إشراك المعنيين الأوائل. هذا الانسحاب ليس “عصيانًا”، بل هو تعبير ديمقراطي عن رفض سياسة تُفرض على البلديات بديلاً عن حوار حقيقي معها. كما وتشير معلومات شبه مؤكدة على ان سلسلة الانسحابات من الاتحاد المؤلف من 32 بلدية سوف تأخذ طريقه الى النور بعدما تحسم كفرحزير قرارها بتثبيت الانسحاب.

الاتحاد البلدي: شراكة أم توجيه؟
يُفترض أن يكون اتحاد بلديات الكورة إطارًا للتعاون والتنسيق بين البلديات، لا آلية لفرض قرارات أحادية. عندما تنسحب بلديتان أساسيتين معنيتين بهذا الملف، فهذا يعني أن آلية اتخاذ القرار تحتاج إلى مراجعة جذرية. الشراكة الحقيقية تقتضي:
– إشراك جميع البلديات في النقاش قبل اتخاذ القرار
– الاستماع إلى الدراسات البيئية المستقلة
– احترام حق البلدية في الاعتراض على ما يمسّ صحة أبنائها
نحو بديل تنموي حقيقي
لا أحد ينكر حاجة الكورة إلى استثمار وتنمية. لكن التنمية التي تأتي على حساب صحة المواطن وبيئته ليست تنمية، بل استنزاف. المنطقة بحاجة إلى:
– دعم القطاع الزراعي والسياحي البيئي
– مشاريع طاقة متجددة تستفيد من طبيعة المنطقة
– بنية تحتية خضراء
– صناعات نظيفة لا تُضرّ بالسكان
خاتمة: تساؤلات مشروعة تستوجب شفافية
يثير التوقيت المتزامن بين استئناف العمل على الترخيص للشركات في فتح مقالعها وانتخاب الإدارة الجديدة في اتحاد البلديات تساؤلات مشروعة لدى الأهالي حول معايير اتخاذ القرار ومدى استقلاليته. الشفافية في الأسباب والدراسات التي بني عليها موقف الاتحاد هو الرد الوحيد على هذه التساؤلات، لا التكتم ولا الاختصار.



