حين تصبح اللغة غطاءً للتكفير: روزا ياسين حسن تفضح عقل السلفية الجهادية في سلطة الجولاني

في واحدة من أكثر المقالات جرأةً ووضوحاً منذ سقوط نظام الأسد، تضع الكاتبة السورية روزا ياسين حسن إصبعها مباشرة على الجرح السوري المفتوح، كاشفةً كيف تحاول الأبواق الفكرية المحسوبة على سلطة الأمر الواقع في دمشق إعادة تدوير الجرائم الطائفية بلغة “أكاديمية” ظاهرها النقاش وباطنها تمييع الانتهاك وتبرئة البنية التكفيرية التي تقف خلفه.
مقال روزا ليس مجرد ردّ على طرح حسام جزماتي، بل هو تفكيك كامل للمنظومة الفكرية التي تحاول تحويل الجرائم المرتكبة بحق النساء العلويات من أفعال ممنهجة ذات خلفية عقائدية إلى مجرد “زعرنة” أو جرائم فردية معزولة. وهي بذلك تكشف الوجه الحقيقي للخطاب السلفي الذي تحكم عبره سلطة الجولاني مناطق واسعة من سوريا، حيث لا يجري إنكار الجريمة بالكامل بقدر ما يُعاد تعريفها لغوياً لإخفاء طبيعتها الطائفية والعقائدية.
الكاتبة تذهب أبعد من الجدل اللغوي، وتؤكد أن المشكلة ليست في استخدام مصطلح “السبي” من عدمه، بل في العقل الذي يستدعي هذا المفهوم من التراث التكفيري ويعيد إنتاجه في الواقع السوري المعاصر. فحين تُختطف امرأة بسبب هويتها المذهبية، ويُقال لها إنها “جارية” أو “مما ملكت الأيمان”، فإننا لا نكون أمام حادثة جنائية عادية، بل أمام بنية فكرية متكاملة ترى في المختلف دينياً غنيمة حرب قابلة للاستباحة.
ما تكشفه روزا ياسين حسن هو أن السلفية الجهادية التي خرجت من رحم القاعدة وداعش لم تختفِ داخل سلطة الجولاني، بل أعادت تقديم نفسها بواجهة سياسية وإعلامية أكثر نعومة، فيما بقي الجوهر العقائدي ذاته حاضراً في السلوك الأمني والعسكري والثقافي. فخطاب التكفير، والتحريض الطائفي، والنظر إلى الأقليات بوصفها “فلولاً” أو “كفاراً” أو “مجوساً”، ليس خطاباً هامشياً، بل جزء من البيئة الفكرية التي تتحرك داخلها هذه السلطة.
وتكمن خطورة ما تطرحه الكاتبة في أنها لا تتحدث عن تجاوزات فردية، بل عن مناخ كامل من الاستباحة تحوّل فيه العلويون، وخصوصاً النساء، إلى أهداف مباحة داخل خطاب ديني متطرف يجد جذوره في أكثر مدارس السلفية تشدداً. وهنا تسقط كل محاولات التجميل السياسي التي تحاول سلطة الجولاني تسويقها للخارج تحت عناوين “الاعتدال” و”الإدارة المدنية” و”الانفتاح”.
المقال يوجّه أيضاً ضربة قوية إلى النخب التي تحاول تمييع الجرائم تحت ذريعة “الدقة اللغوية” أو الخوف من “التحريض الأهلي”، إذ تؤكد روزا أن إنكار البنية العقائدية للجريمة لا يمنع الحرب الأهلية، بل يفتح الباب لتكرارها. فالسكوت عن الفكر التكفيري، أو إعادة تدويره بمفردات مخففة، هو مشاركة فعلية في إنتاج العنف القادم.
إن ما كتبته روزا ياسين حسن يتجاوز حدود المقال السياسي إلى وثيقة اتهام أخلاقية وفكرية ضد نهج كامل تحكم عبره سلطة الجولاني سوريا اليوم؛ نهج يقوم على السلفية المتشددة، وإقصاء المختلف، وتبرير العنف الطائفي، ثم تغليفه بخطاب إعلامي يدّعي المدنية فيما يمارس في العمق أكثر أشكال التطرف قسوةً ووحشية.



