منوعات

مناورات مصر وباكستان وقلق تل أبيب: ردع جديد يتشكل في المنطقة؟

محمد علوش -  النشرة

من يراقب المشهد الإقليمي يلاحظ أنّ ما يجري في المنطقة لا يشبه بأي شكل من الأشكال أجواء “السلام المستقر” التي حاولت ​الولايات المتحدة​ لعقود تسويقها في الشرق الأوسط. فخلف الاتفاقيات والتفاهمات، تتحرك الجيوش والدول وفق منطق مختلف تماماً، منطق يقول إنّ المنطقة تعيش هدنة مصالح لا سلاماً حقيقياً، وإنّ كل دولة ما زالت تحتفظ في عمقها الاستراتيجي بصورة العدو المحتمل مهما بدت العلاقات السياسية هادئة، وما بين ​مصر​ و​إسرائيل​ مثالا.

 

في هذا السياق، يمكن النظر إلى المناورات العسكرية المشتركة بين مصر و​باكستان​ داخل الأراضي الباكستانية، ثم المناورات والتحركات العسكرية المصرية في ​سيناء​ قرب حدود اسرائيل، على أن ما يحدث أعمق من ذلك بكثير، لأنّّ الجيوش لا تتحرك بهذا الشكل في لحظات التحولات الكبرى عبثاً، ولأنّ القاهرة تحديداً تدرك أنّ المنطقة تدخل مرحلة إعادة رسم توازنات طويلة الأمد، وما كشفته من تصدّعات استراتيجية هائلة داخل المشروع الإسرائيلي نفسه.

مصر التي وقّعت اتفاقية ​كامب ديفيد​ مع إسرائيل لم تتحوّل يوماً، على المستوى العقائدي والعسكري العميق، إلى دولة ترى تل ابيب حليفاً أو صديقا كما تريد واشنطن. صحيح أنّ المؤسسة السياسية المصرية التزمت منذ عقود بسقف الاتفاقية ومنعت الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، لكن ذلك لا يعني أنّ الجيش المصري أسقط من حساباته احتمالات الصدام المستقبلي أو أنه تعامل مع إسرائيل كدولة طبيعية بالكامل.

بل على العكس، يمكن القول إنّ جزءاً أساسياً من العقيدة العسكرية المصرية بقي قائماً على فكرة الحفاظ على القدرة لردع إسرائيل، وعدم السماح بانهيار التوازن الاستراتيجي بشكل مطلق لصالح الكيان، لهذا حافظت القاهرة طوال السنوات الماضية على تطوير واسع لقواتها الجوية والبحرية ومنظومات الدفاع والتسليح الثقيل، رغم أنّها لا تخوض حروباً خارجية مباشرة بالمعنى التقليدي.

المناورات مع باكستان تحمل هنا دلالات إضافية تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فالاولى تشكل قوة نووية تمتلك جيشاً ضخماً وخبرة قتالية وتعيش بدورها حالة توتر بنيوي مع الهند، وهي بطور الدخول بتحالف استراتيجي في المنطقة مع مصر و​تركيا​، تماما كما فعلت مع ​السعودية​، وهنا اصل المحور السني المتشكل الذي تحدث عنه رئيس الوزراء الاسرائيلي ​بنيامين نتانياهو​، وعندما تتجه القاهرة نحو تعميق التعاون العسكري مع إسلام آباد، فهي تقول أنها لا تريد حصر شراكاتها الاستراتيجية ضمن المظلة الغربية فقط، وأنها تنوع علاقاتها العسكرية والسياسية في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، والأهم أنّ مصر تريد الحفاظ على خطوط اتصال مع قوى تمتلك قدرات ردع قوية في لحظة تشعر فيها المنطقة كلها بأن إسرائيل كشفت عن حقيقتها ككيان عدواني.

أما التحركات العسكرية في سيناء فهي تحمل حساسية مضاعفة بالنسبة للإسرائيلي، فهي الجبهة التي عبر منها الجيش المصري في ​حرب أكتوبر​، وهي المساحة التي حاولت إسرائيل لعقود ضمان بقائها محدودة التسليح ضمن ترتيبات كامب ديفيد. لكن السنوات الماضية شهدت تغيراً تدريجياً في الواقع الميداني، حيث أدخلت مصر قوات وأسلحة إضافية إلى سيناء تحت عنوان مكافحة الإرهاب، فيما باتت البنية العسكرية المصرية هناك أكثر حضورا وقدرة على الحركة.

الأكيد أن إسرائيل تراقب ذلك بقلق حقيقي حتى لو حاولت المؤسسة السياسية لديها عدم إظهاره علناً بعد، فتل أبيب تنظر للجبهة المصرية كعامل تهديد استراتيجي ولو بعد سنوات طويلة. ولذلك تنظر إلى الجيش المصري بوصفه “الخطر الكامن” الاكبر ضمن دول الطوق والذي لا تستبعد تحوله إلى تهديد كبير إذا تبدلت البيئة السياسية الإقليمية وهي تتبدل اليوم.

كذلك لا شك أن الحرب على غزة عمّقت هذه الهواجس أكثر، فالمشهد الدموي الهائل، وأفكار التهجير نحو سيناء، والحديث الإسرائيلي المتكرر عن إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، وتحركات إسرائيل بمحيط ​قناة السويس​، كلها دفعت المؤسسة المصرية إلى إعادة تقييم النوايا الإسرائيلية بحذر شديد، وهذا ما يجعل القاهرة تتحرك من أجل ضبط الحرب ومنع توسعها ومنع تحقيق الاهداف الإسرائيلية في غزة، فبالنسبة للقاهرة، لم تعد المشكلة فقط في حكومة يمينية متطرفة داخل إسرائيل، بل في تحوّل العقيدة الامنية فيها، حيث سقطت بالعقل الإسرائيلي فكرة الحدود بين الدول وارتفعت وتيرة استخدام القوة.

القاهرة لا تريد الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر كدولة عاجزة أو مكشوفة أمام مشروع إسرائيلي يتمدد على حساب الجغرافيا والأمن العربيين، لذلك هي تتحضر لكل الاحتمالات بغض النظر عن اتفاقية سلام وقعت في زمن كان يريد الإسرائيلي فيه تحييد مصر الّتي ارادت فيه استعادة الارض واعادة البناء.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى