سياسة

فنزويلا بعد مادورو: انقلاب أبيض.. وصفقة نفط بلا فوضى

بقلم: د. هشام الأعور

ما جرى في فنزويلا لا يمكن قراءته كعملية عسكرية تقليدية بقدر ما يبدو كتحوّل سياسي مُدار بعناية. فقيام الولايات المتحدة بتنفيذ عملية خاصة لاعتقال الرئيس نيكولا مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك لمحاكمتهما، من دون إسقاط النظام أو تفكيك مؤسساته، ومن ثم تعيين نائبة الرئيس في موقع الرئاسة، يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق من مجرد استعراض قوة. اللافت أكثر هو موقف الرئيس دونالد ترامب الذي لوّح بالتهديد لنائبة الرئيس إن لم “تقم بالصواب”، وفي الوقت نفسه أعلن صراحة عدم حماسه لتسليم السلطة للمعارضة، معتبراً أنها لا تحظى بالقبول الشعبي ولا بالاحترام السياسي.
هذا المشهد غير المألوف يفرض مقاربة مختلفة لما حصل وما يمكن أن يحصل لاحقاً. فعدم إسقاط النظام يعني أن واشنطن اختارت عدم الذهاب إلى سيناريو الفوضى، وهو خيار يرتبط مباشرة بحساسية فنزويلا بوصفها جزءاً من “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، وبمدى استعداد “الدولة العميقة” هناك ــ الجيش، الحزب الحاكم، والأجهزة الأمنية ــ للتكيّف مع هذه الضربة وقبول نتائجها. كما يطرح سؤالاً مركزياً حول حدود الرغبة الأميركية في التوغل العسكري، وحول ما إذا كانت العملية رسالة سياسية أكثر منها بداية حرب.
تفاصيل ما حصل فعلياً قد تبقى غامضة لفترة، إلا أن المؤشرات الميدانية تفرض نفسها بقوة. ففكرة أن تتمكن قوة أميركية من إنزال خاطف واعتقال رئيس دولة محصّن، من دون مقاومة تُذكر من الدائرة الأمنية المحيطة به، ومن دون تفعيل منظومات الدفاع الجوي أو صدور أوامر اشتباك حقيقية، ومن دون رد فعل عسكري واسع من الجيش الفنزويلي، تجعل فرضية التفاهم المسبق مع أركان الدولة العميقة فرضية راجحة. وفق هذا المنطق، لم يكن المطلوب إسقاط النظام، بل التضحية بالرأس مقابل بقاء الجسد.
إذا صح هذا التقدير، فإننا أمام صفقة غير معلنة حققت مكاسب متبادلة. فالنخبة الحاكمة والجيش يحتفظون بالسلطة وبمفاصل الدولة، ويأملون في تخفيف العقوبات وإنهاء الحصار الخانق عن الشعب الفنزويلي، بعد أن يكون جناح براغماتي داخل النظام قد اقتنع بأن مادورو أصبح عبئاً سياسياً وأن الحفاظ على الإرث التشافيزي يمر عبر وجه جديد قادر على التفاوض مع واشنطن. وفي المقابل، يحقق ترامب انتصاراً سياسياً وإعلامياً كبيراً، من دون أن يدمّر البنية التحتية النفطية أو يزج بالجيش الأميركي في حرب طويلة يرفضها الداخل الأميركي وجمهور “أميركا أولاً”.
هذا الخيار ينسجم مع عقلية ترامب القائمة على الصفقات لا المغامرات. فهو يسعى إلى تحقيق المكاسب بأقل كلفة ممكنة، ويتجنب تكرار تجربة العراق حين أدى حلّ الجيش وإسقاط الدولة إلى فوضى إقليمية ممتدة. ما يريده هنا هو “النفط مع الاستقرار”، وإذا كان جنرالات فنزويلا قادرين على ضمان ذلك بعد التخلص من “الرأس المزعج”، فإن التعامل معهم يبدو أكثر واقعية من الرهان على معارضة مشتتة لا تملك السيطرة على الأرض.
في هذا السياق، يمكن توقع أن تتحرك النخبة الحاكمة بسرعة لملء الفراغ القيادي والحفاظ على تماسكها الداخلي، مستفيدة من كون الضربة الأميركية كانت جراحية ومحددة الهدف، لا اجتياحاً شاملاً يطيح بالدولة. وسيكون مستقبل هذه النخبة مرتبطاً بقدرتها على إعادة تموضعها سياسياً، عبر موازنة مصالحها مع المصالح الأميركية، بما يسمح لها بالبقاء في الحكم، مقابل حصول واشنطن على ما تريده من نفوذ ومكاسب، وتخفيف العقوبات ورفع الحصار عن الشعب الفنزويلي. في نهاية المطاف، قد لا يكون ما جرى نهاية نظام، بل إعادة تدويره بشروط جديدة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى