منوعات

هل تطيح التهديدات الأمنية بقرار صوان؟

لا يبدو أنّ قرار قاضي التحقيق العدلي في تفجير مرفأ بيروت فادي صوان سيصل إلى خواتيمه النهائية قريباً، إنّما تداعياته القضائية والأمنية والسياسية والنيابية والطائفية ستطبّع المرحلة المقبلة. فإلى أين يتجه المسار القضائي بعد أن اصطدم قرار صوان بالحصانات الدستورية والطائفية وممانعة من المجلس النيابي؟

مذكرات توقيف

 مصادر مطلعة على الملف كشفت لـ”أحوال” أن أحد الإحتمالات التي قد يلجأ إليها قاضي التحقيق هي إصدار مذكرات توقيف بحق المُدعى عليهم إن لم يستجيبوا لطلباته المتكررة بالمثول أمام التحقيق، لكنه سيتريث فاسحاً بالمجال أمام المجلس النيابي ليلعب دوره في هذا الخصوص.

لكن ذلك لن يوقِف صوان عن تبليغ المُدعى عليهم بموعد التحقيقات. فيما أشارت مصادر الرئيس حسان دياب لـ”أحوال” إلى أنّ “الرئيس باقٍ على موقفه وفق بيان رئاسة الحكومة ولن يمثُل أمام القاضي الذي تجاوز الدستور”. أما الوزراء الثلاثة المُدعى عليهم، علي حسن خليل، وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس، فلم ولن يمثلوا وفضلوا سلوك طريقاً قانونية أخرى. إذ بادروا عبر وكلائهم إلى تقديم طلب بنقل الدعوى من صوان إلى قاضٍ آخر بسبب ما أسموه “الإرتياب المشروع” بسبب التشكيك بحيادية صوان.

في المقابل، دعا مدعي عام التمييز السابق القاضي حاتم ماضي صوان إلى عدم التنحي عن الملف والإستمرار بواجبه الوطني للوصول إلى خواتيم إيجابية بملف مرفأ بيروت”. ولفت ماضي لـ”أحوال” إلى أن “أهمية الإدعاء كونه بداية لكي تعرف الطبقة السياسية الحاكمة بأن هناك تغيير ومحاسبة ستتم على جرائم كبرى من تفجير المرفأ إلى التدقيق الجنائي لمعرفة أين صرف مبلغ الـ 150 مليار ليرة”. وأضاف: “إذا انتصر صوان والقضاء في هذه المعركة سينتصر لبنان ويفتح الباب لخوض معارك أخرى مع منظومة الفساد، وإذا انكسر القضاء في هذه المواجهة فسينكسر لبنان”.

وبحسب أوساط وزير الداخلية العميد محمد فهمي، فهو على موقفه بأنه لن ينفذ أي مذكرة توقيف يسطّرها قاضي التحقيق بحق المُدعى عليهم. إلا أن القاضي ماضي أوضح لموقعنا أن “تنفيذ قرار القاضي ليس من صلاحية وزير الداخلية؛ بل يستطيع المغفر المعني بتنفيذه”. وأردف أنّه في حال بادر وزير الداخلية وطلب من القوى الأمنية عدم تنفيذ القرار، فحينها يبادر القضاء إلى ملاحقة وزير الداخلية. مضيفاً: إنّ العسكري الذي يُخالف تعليمات وزير الداخلية بهدف تنفيذ قرار قضائي لا يُعتبر مسؤولاً أو مخالفاً”.

هل يستطيع صوان تجاوز كل هذه التعقيدات؟

مرجع قضائي سابق أسَر لـ”أحوال” بأنه قلق لجهة أن يشعر صوان بخطر على حياته نتيجة تهديد يتعرض له ويتنحى عن الملف. والخطورة بحسب المرجع في أنه “إذا تنحى صوان فلن يجرؤ أي قاضٍ آخر على استلام الملف بمن فيهم القضاة القبضايات”.

وكشفت مصادر لـ”أحوال” أن مرجعاً أمنياً سابقاً يعيش في إحدى العواصم الغربية، وخلال اتصال مع شخصيات لبنانية، أبدى خشيته من الوضع الأمني في لبنان؛ مؤكداً أن القاضي صوان وكل من له علاقة بتفجير المرفأ هم في دائرة التهديد الأمني.

هذا التحذير لاقاه مرجع وزاري وأمني سابق، إذ عبّر عن مخاوفه الجدية من تداعيات تفجير المرفأ على الصعيد الأمني؛ بقوله “إنّ تفجير المرفأ ليس حدثاً عادياً وكذلك ستكون تداعياته كبيرة جداً”. مشيراً إلى أن “المدة الزمنية الفاصلة عن إنتقال الرئاسة في أميركا هي الأخطر على لبنان في تاريخه”.

كما حذّر المرجع من أن “أي قاضٍ لن يجرؤ على اتهام شخصية سياسية كبيرة، لأن ارتداداتها ستكون كبيرة في الشارع وربما فتنة طائفية، سيما وأن القاضي لا يتمتع بالحماية الأمنية الكافية وسبق أن حصلت اغتيالات لقضاة في لبنان”.

ماذا بعد موقف مجلس النواب؟ 

مجلس النواب حدّد موقفه بعد اجتماع هيئة مكتب المجلس برئاسة رئيسه نبيه بري؛ وأكد المجلس بأنه ينتظر جواب القاضي صوان على رسالة المجلس إليه، والتي تتضمّن طلب “الملف الذي يحمل الشبهات الجدّية ليُبنى على الشيء مقتضاه”. وأكد أنّ “ما أقدم عليه القاضي صوان “سهي”.

وتسلّح مجلس النواب بحسب ما قالت أوساط نيابية لـ”أحوال” بالرسالة التي أرسلها صوان إلى المجلس النيابي، طالباً منه رفع الحصانة عن عدد من الشخصيات السياسية. وأضافت: “فإذا كان موضوع ملاحقة الرؤساء والوزراء وإحالتهم على المحاكمة ليس من اختصاص المجلس، فلماذا راسله صوان؟”

في المقابل، خالف القاضي ماضي رأي المجلس النيابي، واستشهد بنصّ المادة 70 من الدستور اللبناني: «لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم، ولا يجوز أن يصدر قرار الإتهام إلا بغالبية الثُلثين من مجموع أعضاء المجلس». واعتبر ماضي أن هناك تفسيرات مختلفة لهذه المادة كما غيرها من مواد الدستور؛ وتحدث عن ثغرة هامة في المادة 70 التي لم تحدّد أين يُحاكم رئيس الحكومة والوزراء ولذلك جاءت المادة 71 لاستكمال نص المادة 70.

وأوضح ماضي أن “الدستور اللبناني من أكثر الدساتير الذي يمنح الحصانات للأشخاص والتي تشكّل ملاذاً آمناً للفساد ومنع الملاحقة القضائية للفاسدين”. وأضاف أنّ “الشخص الوحيد الذي يتمتع بالحصانة المطلقة، هو رئيس الجمهورية وفق المادة 60 من الدستور. لكنه يُلاحق بجرائم الخيانة العظمى وخرق الدستور والجرائم العادية من قبل مجلس النواب مع أكثرية الثُلثين وإجراءت أخرى معقدة. فلا يحق لقاضي التحقيق الإدعاء على رئيس الجمهورية، لكن يمكنه التوجه إلى بعبدا وأخذ إفادة الرئيس كشاهد بموضوع تفجير المرفأ”.

حصانة النواب 

أما النواب، فبحسب ماضي يتمتعون بنوعين من الحصانة: الأولى على الأعمال التي يقومون بها بصفتهم نواباً وممثلين عن الأمة، وبالتالي تُمنع مباشرة أي دعوى جزائية ضدهم؛ والثانية خلال أعمالهم خارج واجباتهم التشريعية. وفي هذه الحالة يمكن ملاحقتهم إذا ارتكبوا جريمة خارج عملهم التشريعي؛ لكن تسقط الحصانة في حالتين: الجرم المشهود كما حصل بحالة النائب هادي حبيش مع القاضية غادة عون، أو إذا ارتكبوا جرماً خارج دورة الإنعقاد التشريعي، أكانت عادية أو إستثنائية.

رئيس الحكومة والوزراء

أما رئيس الحكومة والوزراء فلا حصانة عليهم. وأضاف ماضي: المادة 70 من الدستور لا تمنح الحصانة لرئيس الحكومة، لأنّ مبادىء الدستور الأساسية في الطائف منحت رئيس الجمهورية الحصانة ولم تمنح لرئيس الحكومة حصانة مماثلة؛ ولذلك كانت الحصانة الطائفية بديلة عن الحصانة الدستورية. علماً أن إدعاء قاضي التحقيق لم يُوجه ضد موقع رئاسة الحكومة، بل إلى شخص الرئيس. وتساءل: لماذا لم يتُم تعديل الدستور ومنح رئيس الحكومة حصانة دستورية؟ كما أوضح ماضي أن حصانة المحامي لا تُغطي عمله المتعلق بالوزارة أو بالنيابة.

تساؤلات وشكوك

وربطت مصادر سياسية بين ردات الفعل على قرار صوان وبين ملف الفساد، كاشفة أن رسالة الإعتراض السياسي والطائفي على قرار صوان رسالة ضد التدقيق الجنائي.

وفي السياق نفسه، برزت قراءات سياسية مختلفة لقرار صوان الذي فسره البعض على أنه “جس نبض” لردات الفعل السياسية والطائفية. فاختار الرئيس دياب كونه الحلقة الأضعف في المعادلة السياسية والطائفية والدستورية تمهيداً لتوسيع دائرة الإدعاءات لتشمل رؤساء حكومات آخرين، كسعد الحريري وتمام سلام إضافة إلى وزراء آخرين.

كما تُرسم تساؤلات حول أن إدعاءات واستدعاءات صوان اقتصرت على مسؤولين سياسيين يمكن أن يتحملوا مسؤولية سياسية ومعنوية، لكن القرار استثنى المسؤولين الأمنيين والعسكريين والإداريين والجمركيين المسؤولين عن الأمن الداخلي والقومي للدولة. أما الخطأ الأكثر خطورة الذي ارتكبه صوان بحسب مصادر سياسية، فهو أنه لم يكشف حقائق أو معطيات عن التفجير، بدءاً من إدخال الباخرة إلى لبنان ثم غرقها وإفراغ حمولتها، ومن أبقاها وغطى وجودها لسنوات في عنابر المرفأ، ومن علم بذلك وصمت وصولاً إلى السبب والمسببين المباشرين للتفجير. ما يفضي إلى احتمالين اثنين: إما أن ملف صوان القانوني فارغ، وإما يحتوي على فضائح خطيرة قد تودي برؤوس كبيرة داخلية وخارجية”.

وفي هذا السياق قال مدعي عام التمييز السابق القاضي ماضي إنه “كان على صوان أن يدعي على كل الأسماء التي وردت في رسالته إلى المجلس النيابي دفعة واحدة وليس انتقاء منها وترك الآخرين ما خلق شبهات”. فهل ما يجري هو إسكات وإلهاء اللبنانيين وأهالي ضحايا التفجير باستدعاءات بلا طائل وأخبار ملفقة وتسريبات مثيرة ومضللة لتضييع الوقت فقط؟

محمد حمية

 

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى