منوعات

من فتات الأقمشة نسجت الأمل.. بيرلا معلولي صمّمت من رحم الانفجار

يُقال الإبداع يولد من رحم المعاناة، هذا ما آمنت به بيرلا معلولي، مصمّمة اختارت الصمود والمضي قدمًا، حاكت من خيوط الفاجعة تصاميم تروي ما حدث، العارضة في نظرها ليست امرأة بفستان جميل وحسب بل أيقونة ترتدي المعاناة على هيئة ثوب مطرّز بالأمل.

فتصميم الأزياء لا يقتصر فقط على جمالية الملابس والألوان بالنسبة للمصممة بيرلا بل تراه مهمّة انسانية على مختلف الصعد، “عالم الأزياء يجب أن يحمل قيم اجتماعية وأخلاقية وبالتالي وعي بيئي وإنساني لمن يعمل في تصميم الأزياء”.

يقع مشغل بيرلا على مقربة من مرفأ بيروت حيث وقعت الفاجعة في الرابع من آب الماضي، تحطّم الزجاج وجزء من المشغل فكانت الصدمة أقوى من المصمّمة، هي التي لا تبغى الربح المادّي والتسلّق على جراح الناس، لم تباشر بالعمل فور حدوث الفاجعة، استمرّت الصدمة لأسابيع وبعد مبادرة تدوير الزجاج المكسور خطر لبيرلا ومن منطلق المسؤولية والمواطنة أوّلًا والإنسانية ثانيًا تجميع ما تبقّى من القماش المتبعثر في الأزقّة المدمّرة لإعادة تدويرها وصنع أزياء جديدة لتبيعها لاحقًا والتبرّع بكامل مردودها المادي للعائلات المتضرّرة في منطقة الأشرفية.

وعن تجربتها تقول معلولي لـ”أحوال “: “اخترت البرادي كمادة أساسية لهذا العمل لأنّه ببساطة هذا ما توفّر لي، فأنا لم أجتاز الصدمة إلّا بعد مرور ثلاث أسابيع على الانفجار، بعد كل هذا الوقت لم أجد سوى البرادي وبعد فتات القماش الممزّق المروي بالدماء.

كان من السهل التعامل مع هذا النوع من القماش المتاح ولم أتكلّف كثيرًا، حتى تصوير المشروع وتسويقه كان تبرّع من أصدقائي المؤمنين بالقيم ذاتها. ولكن الصعوبة كانت بالعمل محاولة معرفة تاريخ الأقمشة، في أي غرفة كانت ومن هي العائلة التي اختارتها لمنزلها… فيض المشاعر كان هو الطاغي في كلّ مراحل العمل”.

بعد انتهاء التصميم والتنفيذ توجّهت المصمّمة بنفسها لإعطاء أوّل مبلغ مالي للعائلة التي اختارتها بناءًا على معرفة شخصية من قبل أصدقائها للعائلة التي فقدت زجاج بيتها وأبوابه. تصف المصمّمة الشابّة التجربة بأنّها “موجعة! يرسم اللّبنانيين ضحكة صغيرة على وجوههم تعني أنّهم بخير ولكن في قرارة نفسك تعلمين أنّهم ليسوا بخير، وكيف يكونون بخير؟! تنظرين من حولك فتري بيتًا لا شبابيك له ولا أبواب… منزل غير آمن، مشرّع للطريق! وهنا يجب أن نذكر أنّ البناء بحد ذاته مهدّد بالانهيار، أدراج الأبنية محطّة وغير آمنة. أردت البكاء ولكن في هذه اللّحظة لم أكن أملك حتى رفاهية البكاء، عليك تمالك نفسك ورسم البسمة ذاتها على وجهك ومدّهم بالدعم المعنوي عليكِ أن تكابري وتقولي “أنا أيضًا بخير”.

في البدء يرى المصمم التصميم في مخيلته ويرسمه في تفاصيله ومن ثمّ يذهب لشراء الأقمشة، ولكن هنا حصلت العملية بمنحى مختلف تمامًا، الأقمشة هي التي فرضت التصميم والتنفيذ وهنا كانت الصعوبة بتنفيذ هذا المشروع ولكن هذه العقبة لم تقف في وجه شغف العمل، في أسبوعين تمّ تجميع الأقمشة، التصميم ومن ثمّ التنفيذ. أسعار القطع المتبقية وهم ثلاث قطع وثلاث حقائب يدوية وأسعارهم مناسبة للجو الاقتصادي العام في لبنان اليوم.

وعن كيفية تسويق المصمّمة الشابة لمشروعها المواطني المسؤول، تقول بيرلا “بدأت بنشر مراحل التجميع والتصميم على صفحتي الخاصة عبر تطبيق انستغرام ونشر أصدقائي الخبر على صفحاتهم الخاصة وهذا برأيي أعطى العمل المصداقية والإنسانية التامة للعمل فهو لم يكن مشروعًا تجاريًا، تواصل معي عدّة مواقع إعلامية لنشر الفكرة وهذا ساعد فعلًا في بيع الأزياء”.

رغم كل الآلام التي مررنا بها، فقد دفعتني هذه التجرة ليكون هذا العمل خطوة من مسار طويل في العمل الاجتماعي. اليوم وبعد انتشار العمل تواصل معي العديد من أهالي البيوت المدمّرة لأصنع لهم ثياب من أقمشتهم التي أتلفها الانفجار.”

اليوم يخضع لبنان لعقوبات سياسية اقتصادية ولا ننسى الفساد الداخلي وسرقة جيوب اللّبنانيين، نرى أغلب الشباب اللّبناني يطمح للسفر وتحقيق أحلامهم في الخارج ولكن هذا ليس حال بيرلا معلولي، المصمّمة الشابة اللّبنانية التي لا تريد الرحيل بل تريد أن تبني نفسها هنا “أريد البقاء في لبنان”، وبالتالي تبني من خلال شغفها في عالم الأزياء مجتمعًا يعي ثقافة الأزياء الإنسانية.

 

ربى حداد

ربى حداد

ناشطة اجتماعية وسياسية وصحافية لبنانية . خريجة معهد الفنون في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى