السفير الإيراني بين سحب الاعتماد وإشكالية القرار الدستوري

يثير قرار سحب الاعتماد من السفير الإيراني محمد رضا شيباني ، بصيغة إعلان صادرة عن وزير الخارجية، جملة من الإشكاليات القانونية والدستورية التي يصعب تجاوزها، خصوصًا في ظل ظرف داخلي وإقليمي شديد الحساسية. فالمسألة لا تندرج ضمن إجراء إداري عادي، بل تمسّ جوهر السياسة الخارجية للدولة، بما تحمله من أبعاد سيادية وتداعيات دبلوماسية.
من الناحية الدستورية، تُعدّ السياسة الخارجية، بكل أدواتها، من صلاحيات مجلس الوزراء مجتمعًا، وفقًا للمادة 65 من الدستور اللبناني. وعليه، فإن أي قرار بهذا الحجم، سواء تعلّق بسحب اعتماد سفير أو اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، يفترض أن يصدر عن مجلس الوزراء مجتمعًا، لا أن يُتخذ بقرار منفرد من وزير الخارجية، الذي تبقى صلاحياته في هذا السياق تنفيذية لسياسات تُقرّ جماعيًا، لا تقريرية مستقلة.
أما الإشارة إلى أن القرار جاء بعد التشاور مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، فلا تُضفي عليه المشروعية الدستورية الكافية. فالتشاور، مهما بلغت أهميته السياسية، لا يرقى إلى مستوى القرار الدستوري الملزم، ولا يمكن أن يحلّ محلّ آلية اتخاذ القرار داخل مجلس الوزراء. كما أن الاستناد إلى المادة 53 من الدستور لا يكفي لتغطية هذا الإجراء، إذ إن الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية، رغم رمزيتها في التمثيل الدبلوماسي، لا تشمل اتخاذ قرارات من هذا النوع خارج إطار مجلس الوزراء.
وفي السياق نفسه، لا بد من التوقف عند مسألة اعتماد السفير. فصحيح أن تقديم أوراق الاعتماد يتم أمام رئيس الجمهورية، ما يضفي طابعًا تمثيليًا شخصيًا، إلا أن تأخر هذا الإجراء لا يعود إلى تقصير من السفير بقدر ما يرتبط بإجراءات وزارة الخارجية اللبنانية نفسها. ورغم عدم تقديم أوراق الاعتماد رسميًا حتى الآن، فإن السفير يمارس مهامه بشكل طبيعي، وهو أمر معمول به في الأعراف الدبلوماسية، ما يضعف الحجج التي قد تُبنى على هذا الجانب لتبرير القرار.
دبلوماسيًا، يُعدّ سحب الاعتماد أو إعلان السفير “شخصًا غير مرغوب فيه” خطوة استثنائية، لا تلجأ إليها الدول إلا في حالات قصوى. وغالبًا ما تكون هذه الإجراءات مقدمة لتدهور العلاقات الدبلوماسية، وقد تصل في بعض الحالات إلى حدّ القطيعة أو التصعيد الخطير. ومن هنا، فإن اتخاذ مثل هذا القرار في ظرف إقليمي متوتر، من دون غطاء دستوري واضح، يثير مخاوف جدية من تداعيات غير محسوبة.
أما التذرع بتدخل السفير في الشؤون الداخلية، فهو سبب، وإن كان يُطرح في الخطاب السياسي، إلا أنه لا يشكل سابقة استثنائية في الحالة اللبنانية. فالتدخلات الخارجية، المباشرة وغير المباشرة، لطالما كانت جزءًا من الواقع السياسي في لبنان، ولم تُقابل بإجراءات مماثلة بحق سفراء دول أخرى. وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول معيارية القرار، ومدى انسجامه مع مبدأ المساواة في التعاطي الدبلوماسي.
ولا يمكن إغفال واقع تاريخي لطالما ميّز الحياة السياسية في لبنان، وهو ما يمكن تسميته بـ”حكم القناصل” بصيغته الحديثة. فمنذ نشأة الكيان، شكّلت القنصليات والسفارات مراكز تأثير تتجاوز أحيانًا الدور الدبلوماسي التقليدي، لتصل إلى التأثير في القرار السياسي، والاقتصادي، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية. ولم تعد التدخلات تقتصر على الملفات الكبرى، بل امتدت في بعض الأحيان إلى مستويات دقيقة، يُقال مجازًا إنها تصل حتى إلى “عيار الميّ”. هذا الواقع، على إشكاليته، كان دائمًا يُدار بحذر، ومن دون الذهاب إلى قرارات تصعيدية من شأنها تفجير العلاقات مع الدول المعنية.
بناءً على ما تقدم، يبدو أن القرار، بصيغته الحالية، يفتقر إلى الغطاء الدستوري الواضح، ويخالف الأصول المتبعة في إدارة السياسة الخارجية. كما أن توقيته وسياقه يفتقران إلى الحد الأدنى من الحكمة السياسية المطلوبة في مثل هذه الظروف الدقيقة.
إن العودة عن هذا القرار لا تُعدّ تراجعًا بقدر ما تمثل تصحيحًا للمسار، وخيارًا عقلانيًا من شأنه تخفيف الاحتقان الداخلي وتجنّب انزلاق لبنان نحو تداعيات دبلوماسية هو في غنى عنها، في مرحلة هو أحوج ما يكون فيها إلى الاستقرار والتوازن في علاقاته الخارجية.



