سياسة

“الحشيشة” تنمو بأمان في بعلبك_الهرمل والدولة متقاعسة عن التلف منذ عام  2012

حبشي: إصدار المراسيم التطبيقية حيوي وملح إقتصادياً

منذ سنوات، كل المؤشرات كانت تدلّ على حتميّة الانهيار المرتقب في لبنان إلا ان الشعب كما الطبقة السياسية كان يهرب من هذه الحقيقة، إما عن جهل أو تكاذب على الذات أو عن تورّط.

الأمر كان جلياً خصوصاً مع التراجع الدراماتيكي للنمو من 8 نقاط الى نقطة، بعيد حركة “القمصان السود” وتشكيل حكومة نجيب ميقاتي عام 2011، وما تلاها من توتّر في العلاقة مع دول الخليج، الى الارتفاع المتسارع لحجم الدين العام، التراجع الخدماتي من كهرباء واتصالات وغيرها، تراجع تصنيف لبنان الائتماني وصولاً الى حلوله في أدنى سلم الدول من حيث الشفافية.

كما أن كل الوقائع كانت تثبت أن اللبنانيين يعيشون في شبه دولة يحكمها “أشباه رجال” دولة، تقودها المحاصصة والزبائنية التي تحدّد خطوتها الآنية والعشوائية إذ لم نر يوماً رسم سياسات عامة من قبل أي من الحكومات.

فمع إنتهاء الحرب وإنطلاق زمن الطائف لم يتمّ العبور الى دولة سيدة قرارها وسيادتها، بل إستمرّ إنتشار الجيوب الخارجة عن القانون حيث تقف الدولة عند أبوابها عاجزة عن تحصيل حتى فاتورة كهرباء.
وفي هذا الإطار، تندرج زراعة المخدرات بما فيها “الحشيشة” (القنّب الهندي) حيث المعالجات كانت لرفع العتب.
فمحاولات الإنتقال الى زراعات بديلة طيلة فترة عمل برنامج الأمم المتحدة للتنمية الريفية لمنطقة بعلبك الهرمل الذي إنطلق عام 1992 وتوقف في العام 2000 أو من خلال تعاون المنظمات الدولية المعنية، باءت بالفشل وشابها علامات إستفهام حول الهدر والفساد ( قضية الوزير السابق علي عجاج عبدالله وتهمة الاختلاس في مشروع التعاون الزراعي اللبناني – الاميركي او ما عرف بقضية الابقار والتي قيل أنه لولا المشاكل السياسية لما تحركت).

كما أنّ حملات التلف كانت موسميّة وغير جديّة لأنّ إستدامتها جزء من جدواها. فكانت السلطة الحاكمة تسعى لإسترضاء المزارعين عبر إغراقهم بوعود الزراعات البديلة من جهة والمجتمع الدولي لتلميع صورتها وجلب المساعدات من جهة أخرى.

الحشيشة “تتمختر” ولا قرار حكومي بالتلف

لا حاجة لأن تستعين بأحد للوصول الى الاراضي المزروعة بنبتة الحشيشة في بعلبك – الهرمل، فالحشيشة “تتمختر” على الطرقات العامة وفي محيط الحواجز العسكرية ولا شيء يقلقها إذ إستسلمت الدولة وإعترفت بعجزها منذ العام 2012 حيث توقفت حملات التلف كلياً بعدما كانت متقطعة منذ مطلع التسعينات.
مصدر أمني معني بالتلف يشرح لـ”أحوال” حقيقة الأمر قائلاً: “خلال عام 2012، تحوّلت مناطق بقاعية عدّة الى ساحة حرب على خلفية قيام القوى الأمنية والعسكرية بتلف سهول الحشيشة حيث تصدى المزارعون للدولة في بلدات عدة مستخدمين الأسلحة على انواعها. كما وقع اشتباك كبير في اليمونة عمد بعده الأهالي الى إقفال مداخل البلدة بوجه الدولة. وتعرّضت القوى الأمنية خلال عملية التلف لإطلاق نار ما أدى الى إصابة 5 آليات عسكرية. كذلك جرى تهديد أصحاب الجرارات الزراعية التي تشارك بالتلف والاعتداء عليهم”.
يتابع المصدر الأمني: “لقد سقط لنا عدد من الشهداء في الحرب مع زراعة المخدرات والاتجار بها. ولكن الخطر كان كبيراً خلال حملة التلف عام 2012 ودخل أيضاً عامل جديد هو النزوح السوري. لذا أصبحنا نرفع سنوياً طلباً الى مجلس الوزراء من أجل التلف. ككل سنة منذ ذلك التاريخ كانت السلطة التنفيذية تغضّ الطرف. القرار الامني والعسكري بالتلف موجود دائماً، فالقضاء على شتلة الحشيشة في أرضها يوفر علينا جهوداً كبيرة ومخاطر كثيرة اذ التلف أسهل من مطاردة مروجي وتجار الحشيشة. لكننا بحاجة الى غطاء سياسي، وإلا تصبح حملات التلف مغامرات مجّنية”.

حاولنا في “أحوال” التواصل مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات ومكافحة الجريمة في بيروت، UNODC لمعرفة الدور الذي يلعبه مع الحكومة اللبنانية منذ توقف التلف عام 2012 وهل من مراجعات يقوم بها؟ وما جدوى الاستراتيجية المشتركة بين الوزارات لمكافحة المخدرات والإدمان في لبنان 2016-2021  بالتعاون معه في ظل إستمرار الزراعة؟ وأين أصبحت آلية العمل بهدف وضع خطة عمل وطنية لمكافحة تجارة المخدرات التي أعلنت عنها وزيرة الداخلية السابقة ريا الحسن في 25 ايار 2019 بالتعاون مع المكتب؟ فكان الجواب: نكتفي بالتقرير السنوي الذي ينشر على موقعنا. راجعناه وهو بالطبع لا يحمل أجوبة وافية.

 

زارعة “الحشيشة” وراثية ومن عمر الجمهورية

زارعة “الحشيشة” في لبنان من عمر الجمهورية والعلاقة بين هذه النبتة وأهل بعلبك- الهرمل من عمر الحرمان، فأضحت مع مرور الزمن علاقة عائلية توارثوها أباً عن جد. وهذا ما أكده المزارع الأربعيني مروان ( إسم وهمي) إبن إحدى قرى غرب بعلبك، ويقول: “جدّ أبي كان يقاوم بالسلاح الانتداب الفرنسي في ثلاثينيات القرن الماضي حين يحاول تلف محاصيل الحشيشة وجدّي أيضاً في زمن إستقلال الـ43. أما أبي فكانت أموره أسهل في زمن حرب الـ75 حيث “التبرطل” كان الحل، أكان للقوى الامنية الشرعية أو لقوى الامر الواقع اللبنانية ولضباط الجيش السوري– وقد شكلت المخدرات وزراعتها والإتجار بها وتصديرها مصدراً مالياً رئيسياً لجميع الميليشيات. أما بعد الطائف، فظلّ “البرطيل” حلّا جزئياً أو متى كانت “العين مفتّحة” في حملات التلف التصدي بالسلاح على انواعه كان عاملاً رادعاً للتلف في أحيان عدة. كما بعضهم لجأ الى الشراكة مع ضباط سوريين قبل العام 2005 “.

يترحّم مروان على زمن التلف موضحاً: “يومها قلة توفر المادة أدت الى إرتفاع سعرها. فعام 2012 وما قبله بلغ سعر “هقة” الحشيشة عتبة الالف دولار(الهقة وحدة وزن خاصة بالحشيشة وهي تعدّ ست أوقيات أي 1200 غرام).   لاحقاً تدنى السعر إلى مئة دولار. منذ شهر بيعت “الهقة” بثلاث مئة الف ليرة أي لا ترد كلفتها اذا حسبنا الأمر وفق سعر الدولار اليوم. سبب إنخفاض السعر بعد توقف التلف ليس فقط جراء زيادة المنتوج بل أيضاً لأن سكك التهريب الى خارج لبنان أصبحت صعبة. ربما لولا التهريب عبر سوريا لكان الوضع أسوأ. السوق المحلي لا يستوعب المنتوج وأصلاً الحشيشة لا إدمان عليها كانواع المخدرات الأخرى كالهيرويين والكوكايين وبعض الحبوب. زراعة الحشيشة ما عادت بتوفي وتصريف الانتاج مش مضمون”.

تشريع القطاع حيوي ويؤمّن Fresh Money بالقانون
عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب أنطوان حبشي الذي يذكّر أن الدولة تقف موقف المتفرج منذ سنوات على زراعة الحشيشة رغم أنها مخالفة للقوانين اللبنانية، مشيراً الى أننا نرى بأم العين سهول الحشيشة قرب نقاط القوى الأمنية، يؤكد أن “ضرراً كبيراً ينجم عن ذلك على مجتمعنا حيث شبكات الترويج تغزو المدارس والجامعات وتتسبب بتفكك الاطار الأسري. كما ان تعاطي “الحشيشة” يشكّل بنسبة مرتفعة مدخلاً أساسياً لإدمان أنوع أخطر من المخدرات”.

“كل طروحات الدولة  للزراعات البديلة منذ الطائف حتى اليوم باءت بالفشل” يقول حبشي ويضيف: “لذا تقدمنا بقانون يوفّر حلاً إيجابياً عبر تشريع “القنّب” لغايات طبية. الجدوى الاقتصادية لهذه المسألة ستريح المُزارع لأنه سيتمكّن من تأمين مدخول مادي تحت سقف القانون وسيبقى بأرضه. كما بإمكانها إستدراج إستثمارات أجنبية نحن بأمسّ الحاجة إليها في هذه المرحلة وقد تكون إحدى الحلول الاقتصادية التي قد يستفيد منها لبنان. فالمؤشرات الايجابية لذلك ظهرت عبر إهتمام الشركات العالمية بذلك ومتابعتها لسير القانون. فكلفة إنتاج “الحشيشة” في لبنان أرخص من أي منطقة في العالم ما ينعكس قدرة تنافسية عالية لهذه الشركات إن إستثمرت بلبنان في مجال الأدوية التي ترتكز على القنب. تلى إقتراح القانون الذي تقدّمنا به إقتراحات من كتل عدة، أحيلت على لجنة فرعية عملت على اقتراح قانون موحد لتشريع زراعة القنب الهندي للاستخدام الطبي والصناعي فأبصر النور في الهيئة العامة في 21 نيسان 2020″.

يجزم حبشي أن إقرار القانون أساسي ولكنه غير كاف لجلب المستثمر ولمساعدة المزارع على معرفة المطلوب منه، ويردف: “المطلوب أن يُستكمل بمراسيم تطبيقية تصدر عن السلطة التنفيذية أي الحكومة. لذا راجعت رئيس الحكومة حسان دياب مطالباً الإسراع بصدورها. ولكن مع إستقالة الحكومة دخلنا بمرحلة تصريف أعمال يجب عدم إضاعة الوقت والانتظار بل العمل على تحضير هذه المراسيم لتكون جاهزة متى ولدت الحكومة. المراسيم التطبيقية ستحدّد آليات العمل للجميع من مزارعين ومستثمرين وتضع الاطار التنظيمي. لذا المسثمرون ينتظرونها”.

يتخوّف حبشي من أن في لبنان أكثر من 50 قانوناً صدر ولم يطبّق جراء عدم وجود مراسيم تطبيقية، مضيفاً: “لا نريد أن يتم التعاطي مع مسألة حيوية للمزارعين والدائرة الاقتصادية في لبنان كهذه باستخفاف. يجب الا يكون قانوناً يضاف الى القوانين المعطّلة عملياً. الأمر حيوي وملح إقتصادياً وهذا القطاع هو احد القطاعات الإنتاجية التي تجلب اموال fresh money من الخارج ويشكل دائرة إقتصادية كاملة يستفيد المزارع منها، يستجلب اموالاً من الخارج ويدخل اموالاً عبر الضرائب الى خزينة الدولة التي تتهاوى ماليتها العامة. لذا المطلوب التعاطي بجدية وبسرعة مع هذا الموضوع من أجل القيام بأمر إيجابي في هذه المرحلة”.
في الختام، في ظل ما يعيشه لبنان لم يعد مستغرباً ان تكون الدولة سائبة ومستسلمة ومتخلية عن مسؤولياتها. لكن الاسراع في إصدار المراسيم التطبيقية لقانون تنظيم زراعة القنّب لغاية طبية وصناعية أمر ملح لما فيه من مردود إقتصادي وقد تحدثت عنه دراسة ماكنزي وما سبقها من دراسات إقتصادية من عشرات السنين. كما يساعد في إدخال المواطنين الى كنف القانون. كذلك في ظل كثرة الحديث عن قانون العفو، أليس من الملحّ تحضير أرضية صالحة وفرص عمل شرعية لزراعة الحشيشة قبل الافراج عن المساجين بسبب “الحشيشة” ما يساعد على تحصينهم ضد الخروج عن القانون فلا نتائج العفو الذي صدر في التسعينات فعاد المعفيون إلى زراعة الحشيشة والخروج عن القانون؟

جورج العاقوري

اظهر المزيد

جورج العاقوري

صحافي ومعّد برامج سياسية ونشرات اخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: