سياسة
أخر الأخبار

انتخابات القومي… هل انتهى أسعد حردان؟

للحزب السوري القومي الاجتماعي باعٌ مع الانتفاضات. إلّا أنّه في سبات عميق منذ سنوات. يبدو أنه قرر اليوم أن ينفض الغبار عنه فهل ينجح؟

ينتابك مزيج من الانطباعات السيئة في كل مرة تمر بجانب مبنى او شارع يعلق عليه علم الحزب السوري القومي الاجتماعي. فالذاكرة الجماعية حافلة بمحطات طبعت فيها قيادة الحزب بجناحيها السياسي والعسكري بصمتها الأمنية التي هشّمت صورة الحزب في وجدان اللّبنانيين.

الحزب القومي، بحسب بعض القوميين لم يعد يشبه مؤسّسه أنطون سعاده. هي خلاصة  السنوات الطويلة التي مارس فيها الحزب القومي السياسة والأمن تحديدًا في لبنان وسوريا. ليست خلاصة اللّبنانيين غير المنضوين في الحزب القومي فقط. بل هي خلاصة الكثير من القوميين شيوخا وشبابا.  الشيوخ هجروا الحزب لأنه لم يكن يشبه تاريخهم ونضالاتهم. أمّا الشباب فمنهم من هجر الحزب لأنّه لم يعد يمثّل مستقبلهم وعقيدتهم الاجتماعية ومنهم من لم تستقطبه القيادة أصلا.

منذ نحو أسبوعين، شهدت ضهور الشوير، الحاضنة الوجدانية للقوميين انتخابات المجلس الأعلى في الحزب وهي السلطة التشريعية التي تنبثق منها كلّ السلطات في الحزب. اختلف المشهد كثيرًا هذه المرة.  فهي لم تكن المرّة الأولى التي يحاول القوميون فيها التغيير. سبق أن حاولوا وباءت كل مساعيهم بالفشل.

تارة لأنّهم كانوا أضعف من تصلب الفريق المتحكم بقيادة النائب أسعد حردان وطورًا لأنّهم كانوا قد سمحوا طويلًا للقيادة بإبرام تسويات تراجعت عنها في اللّحظة الأخيرة. ما الذي تغيّر هذه المرّة حتى عادت شرارة الكثير من القوميين المبعدين والمبتعدين إلى الاشتعال من أجل “العقيدة”؟ هل ما شهده فندق السنترال في ضهور الشوير توزيع أدوار أم انتخابات حقيقية أحدثت تغييرًا في المعادلة الثابتة منذ أعوام؟ أسئلة كثيرة يطرحها الأقربون والأبعدون عن الحزب بعد صدور نتائج انتخابات المجلس الأعلى في القومي. هي الانتخابات التي تمهد لانتخابات رئاسة الحزب بعد أسبوعين.

 

كيف سقط أسعد حردان؟

سقط أسعد حردان. هي خلاصة المشهد الانتخابي في القومي. فنجاحه الباهت في انتخابات عضوية المجلس الأعلى وصعود الفريق المقابل له يحمل أكثر من دلالة. أروقة المشهد الانتخابي تفصيل أمام المشهد العام. فالأهم منها هي العوامل المتراكمة التي أنضجت معادلة جديدة.

أبرز هذه العوامل يمكن اختصارها بأربع نقاط. أولًا الانشقاقات الحاصلة من عصام المحايري في سوريا إلى قسم و8 تموز وغيرهم في لبنان. ثانيًا، عدم الاستقرار الإداري في الحزب الذي شهد خمس رؤساء خلال أربع سنوات فقط بسبب صراعات داخلية على السلطة. ثالثًا، إنّ الفروع الحزبية في المغتربات أعلنت طلاقها مع المركز. رابعًا أصبحت الفروع الحزبية في لبنان غير عاملة ما أدّى إلى نتائج هزيلة حصل عليها الحزب في الانتخابات النيابية في لبنان  وسوريا.

أمّا رئاسة الحزب التي طالما كانت ممسوكة وثابتة من خلال الوجود القوي للنائب أسعد حردان فهي أيضًا شهدت تغييرًا أساسيًا تمثل بخسارة حردان لأرضية الحزب منذ بدء انخراط عناصر من الحزب القومي في سوريا. وباتت هذه الأرضية تميل حيث ما مال القائد الميداني المسؤول العسكري في الحزب، عميد الدفاع زياد معلوف.

فالحظوة التي كان تمتع بها حردان في قلوب القوميين تعود إلى زمن مقاومة الحزب ضد إسرائيل. ذلك الزمن الجميل في ذاكرة القوميين عن سناء محيدلي ورفاقها الاستشهاديين. ثلاثون عامًا استطاع حردان أن يجدّد بيعته في الحزب من خلال مسيرته في ذلك الزمن هذا ما تغير اليوم.

فمنذ التسعينيات، دخل حردان في الحياة السياسية اللّبنانية عبر الحكومات المتعاقبة والدورات الانتخابية، حليفًا لرئيس مجلس النواب نبيه بري وحليفًا لحزب الله، من دون تحقيق أي تمايز في القضايا العامة باستثناء ما ندر من ملفات سرعان ما عادت لتقبع في الأدرج.

نجح حردان في أن يكون الأقوى دائمًا حتى بدأت الأزمة السورية. يومها دخل القومي الساحة السورية ومعه دخلت القيادة في مفصل آخر، مفصل سطع فيه من الشام، نجم مسؤولها العسكري زياد معلوف.

معلوف الذي طبع في وجدان القوميين في زمن استشهاد محمد عواد وأدونيس نصر ومجموعة من المعقدنين القوميين الذين أسقطوا كل مآخدهم على القيادة واختاروا القتال من أجل الارض.

معلوف الذي طالما كان خلف حردان في الحزب بات حالة حزبية مختلفة قرّرت أن تؤسس لمسار آخر عن المسار الذي اعتاد عليه الحزب منذ ثلاثين عامًا. ترجمت هذه الحالة ذلك في دعم المعارضة في الانتخابات الأخيرة.

هذا في الامن، ماذا في السياسة؟

لم يكن هذا الانقلاب الأبيض كما يطلق عليه بعض القوميين ليحصل لو لم يكن هناك جناح سياسي ناضج لملاقاة الجناح العسكري بميوله المستجدة. هو الجناح السياسي الذي طالما كان إلى جانب حردان في السنوات الماضية، قرّر أيضًا هذه المرّة أنّ الوقت حان للتغيير.

أكثر الوجوه المعروفة التي طبعت في أذهان اللّبنانيين، الوجه الشاب العصري المتحرر إلى حدّ بعيد من التقاليد حسان صقر.

صقر أكثر الوجوه القومية المطلّة على شاشات التلفزة استطاع بعصرنته ومقارباته الموضوعية لقضايا الساعة كإنتفاضة 17 تشرين على سبيل المثال، استطاع أن يحصد مصداقية في صفوف القوميين. فهو منذ دخوله العمل الحزبي إلى توليه عمدة الخارجية، نجح في انضاج رأي عام لدى القوميين أنّه آن الأوان لعصرنة الحزب وإخراجه من موته السريري الطويل سيّما على مستوى القضايا الاجتماعية في البلاد.

اجتمع الجناحان اللّذان طالما تسلّح بهما حردان وأنتجا تقاطعا لبداية التغيير. بعض القوميين المستريحين قسرًا منذ زمن استنهضوا هممهم للعودة والبعض الآخر لا يزال يشكك بحقيقة التغيير متخوفًا من أن يكون ما حصل توزيع للأدوار.

يترقب القوميون المشهد في وقت يشتد الصراع بين حردان وفريقه القديم بانتظار موعد انتخابات رئاسة الحزب. فالسلاح الذي كان يستخدمه حردان تجاه جبران عريجي ومحمود عبد الخالق وأمثالهما في الانتخابات، انقلب عليه هذه المرة،  وفي الوقت الذي ينفي فيه زياد معلوف نيته بالترشح لرئاسة الحزب معتبرًا أن التغيير الحقيقي يفترض أن لا يكون من خلال وجه أمني، تبدو الأقرب إلى الرئاسة هذه المرّة الوجوه الأكثر مدنية وعصرية، قد يكون أحد أبرزها حسان صقر.

هل ما نشهده في القومي قفزة نوعية للحزب ليعيد استنهاض حالة شبابه أم هو مجرد صراع آخر على السلطة والنفوذ؟ هل سينجح الفريق المعارض حديثًا لحردان بالصمود؟ أم أنّه سيخضع لقوّة حردان وتحالفاته مع السلطة في لبنان وسوريا؟ يترقب القوميون المشهد، أيديهم على قلوبهم، بين الأمل والخيبة، وهم من له مع الخيبات مواعيد كثيرة.

جوزفين ديب

 

اظهر المزيد

جوزفين ديب

اعلامية ومقدمة برامج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: