ميديا وفنون

الفن الهش سقط في زمن المآسي

صورة لفيروز كانت الحدث وأعمال فنّية ضخمة مرّت مرور الكرام

في زمن الحروب والنكسات الفن لا ينزل إلى السّاحات بمظلاّت فارهة وقبّعات ريشية، بل يخرج منها ويعبّر عن أوجاعها ويكون صدى لأصوات الناس المبحوحة ومرايا لملامحهم المتعبة.

في زمن الإحباط والتمزّق الفن ليس ستارةً من دانتيل ولا أغنية من بلاطات الرخاء، ولا أنشودة خارج السياق بل هو صرخة في وجه الباطل، وفجر عند عتبة الليل وأمل يحكي أنّ الوجود ليس مستحيلاً.

في زمن يقل فيه الفرسان وتضمحل فيه الفروسية، نريد من يغزل لنا حصان طروادة. نريد من يعيد لنا مشاربنا الضائعة وبيوتنا المهدّمة، من يقف في عزائنا ومن يصوغ لنا كلماتنا ومن يحمل صوتنا ومن يكافئنا.
الفن وحده هو الموكب الذي يجمع حاشية المنسيين وينصف المغدورين ويحقق الوعد موعداً.

في زمن تصبح الفراشات على شكل طفولة الكسندرا نجار، أو عروسة البطولة سحر فارس، لا يعد يهم ماذا تغني ولا ماذا ترسم ولا ماذا تنحت، إن لم يكن الغناء بلسمة والرسم صرخة دويها يشق اللون والصمت والنحت مطرقة وإزميل يبدد كل هذا الظلم.

بالأمس كان يصلنا الفن كأنه شلال طالع من ينبوع فوهته لا تنضب، ومصبه لا تتسع له بحار الأرض.
ماذا بقي منه؟ أين رحل كل هذا الفن وأين هم أفواج الفنانين جميعاً؟ من كمّ أفواههم ومن صادر ماءهم ومن أرداهم ولم يدعنا نقرأ ورقة نعيهم؟
الزمن وحده فعل ذلك. هذا الزمن لم يعد زمنهم. وهؤلاء الناس ليسوا من جمهورهم  وهذا المكان لا يحتمل تكلفهم.

بالأمس كان الفن على شكل بحبوحة عندما يكون المتوفر من كل شيء  كثيراً. مال كثير.  رخاء كثير. عمل كثير. وقت كثير. والفن كثير. الآن لم يعد هناك من هذه الكثرة الا القليل، المال شح والرخاء انتهى والعمل ضاع والوقت نحسبه بالقطارة، ونريد من الساعة الرملية أن لا تنتهي خوفاً من أن يسارع الحضيض بقدومه فنموت إما جوعاً او قهراً او ضياعاً او نموت ميتة لا يستحقها عدو.

هذا الفن الراهن لا يقدر أن يواكب كل هذه المواجع، فهو هش لدرجة انه يموت بعد ليلة او بأقصى حال بعد عام، حتى يطل مولود أخر يأخذ كل الصيت وكل الهدايا.

سيبقى هذا الفن يحدّث عن حقبة التخمة وحقبة الرخاء، يوم كانت كل قرية تشهد حدثاً فنياً في الصيف.
لكن عندما وقعت الواقعة لم يستطع هذا الفن أن يحمل ناسه ولا أن يحميهم، ولا أن يزود عنهم  أو يسلّحهم بالشجاعة أو ينصفهم بالعدل أو الحرية.
كان هشاً جداً لدرجة نسينا أغانينا الماضية، وقلة قليلة بقيت في الأذهان نترنّح بها ونستدعيها كلما زاد الخناق علينا.

لماذا صورة  واحدة لفيروز تهز الأرض ولا تقعدها؟ لماذا طلة منها تعيد مجد النبل ووتريح متعباً وتعطي الأمل لفاقديه؟

لأنّ فيروز عمّرت في الوجدان منازل الأبد، وعمّرت في الروح سلاح التمرّد والنهضة، وغنت الحق بحماسة، ورفعت صوت المعول والحقل والخير.

لأنّها تعيدنا الى أماكننا سالمين، لأنها رسّخت فينا الحلم حتى بات حقيقة. لأنّ صوتها مجد كبير بين الأصوات. لأنّها تأتينا بفنٍ لا نعرف من أين، لكنه يعيش ابداً. قديم لكنه طازج. مبهر على الدوام.  لأنّ معها أدركنا أنّ الفن هو صوت الله وصوت النّاس في كل مكان وكل زمان.

المزاج العام اليوم ليس مع الفن الراهن. ليس مع الفن الذي يرتدي حلياً فنلهث لبريقه، أو ثوباً شفافاً يجذب انتباهنا، وإلا لكانت ستيفاني صليبا إلهة الفن التي فاضت في بوح جسدها وهي ترتدي من تصاميم جورج حبيقة في مهرجان فينيسيا، دون أن تثيرنا بل خدشت حياء علاّتنا وقلقنا الذي باله بغير بال.
ولا الجميلة سيرين عبد النور انتبه أحد “لدانتيلها” وإلا كان الجميع فاض عند حفافي أدائها وتناقلت الأخبار شفافية حضورها.

وإليسا شاغلة الناس برومانسيتها مرت مرور الكرام في عملها الأخير “صاحبة رأيي” الذي ضم 18 أغنية. الحماس ليس لهذا النوع من العشق.

المزاج العام في مكان آخر في فن من نوع “يا ثوار الارض” لجوليا بطرس التي حضرت مؤخراً في هذه الاغنية ،حتى باتت نشيداً لكل حنجرة بالرغم من غيابها. فنّها حضر وهي غابت.

ماجدة الرومي التي حضرت في ايقونتها الغنائية “قومي يا بيروت”  بينما لم تسطع في أخر عمل فني لها من ألحان ميشال فاضل ” غنوا بكل اللغات” التي استوحت الكلمات من مرحلة التباعد التي فرضتها جائحة كورونا.

هذا العمل الجديد لم ننتبه له لكننا ما زلنا نقول ” عم بحلمك يا حلم يا لبنان”. المزاج مع الشاب خالد وهو يغني بيروت أو يبكيها أو يرثيها او يعيدها او ينتشلها.

 

إنّه صوت الدمع والحب الذي كان مدوياً اكثر من أغاني  كثيرة لفنانين تعبوا عليها ولم تصل مسامعنا.

الفن ليس موجة كما يظن كثيرون. الفن وشم انساني إما ان يبقى ويؤرخ لشعب وتاريخ، وإما يندثر في غياهب النسيان.
الفن ليس دكاناً للبيع والشراء وتحقيق الربح. الفن هو الباقي في حياة الشعوب وهو المؤرخ الصادق للأوطان حتى عندما يكون التاريخ شاحباً والرجال أقزاماً.

كمال طنوس

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

كمال طنوس

كاتبة وصحافية لبنانية لاكثر من 25 عاماً في العديد من الصحف العربية كمجلة اليقظة الكويتية وجريدة الاهرام وجريدة الاتحاد وزهرة الخليج .كما تعد برامج تلفزيونية وتحمل دبلوما في الاعلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: