سياسة

أوساط فرنسية لـ “أحوال”: العقوبات جدّية وقريبة

مقرّبون من الحريري يجرون اتصالات لاستطلاع حقيقة العقوبات

رفعَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من لهجة خطابه ونبرتِه ضدّ الطبقة السياسيّة في لبنان. فبعّد أشهرٍ على زيارته إلى بيروت مرتيّن متتاليتيّن وفشله في دفع الأطراف اللبنانية لتأليف حكومة جديدة، أعلن عن ممارسة المزيد من الضغوط ملوّحاً بالعقوبات المالية. وقال إنّ بلاده ستحتاج إلى “تغيير النهج والأسلوب فيما يتعلّق بلبنان خلال الأسابيع القادمة”.

وقبيل كلام ماكرون، أعلن مصدر دبلوماسي فرنسي أن “على الأوروبيين والأميركيين زيادة الضغوط على الطبقة السياسية اللبنانية لتشكيل حكومة جديدة”، مشيراً إلى “أنه قد يتم ذلك أيضاً من خلال عقوبات”.

فهل تلجأ فرنسا ومعها الأوروبيون إلى خيار العقوبات الماليّة أم هي وسيلة تهديد للضغط على سياسيّي لبنان للإسراع بتأليف الحكومة؟ وتحت أي عنوان وما هي مفاعيلها المالية والسياسية؟

العقوبات: خيار فرنسا الأخير للضغط

أوساط فرنسية تكشف لـ”أحوال” أنّ “العقوبات المالية الفرنسية جدّية وليست مناورة أو مجرد وسيلة ضغط، وهي ستُشكِّل الخيار الأخير للفرنسيّين لإفهام السياسيّين اللبنانيّين ضرورة تأليف الحكومة وتطبيق المبادرة الفرنسيّة”. أما توقيت هذه العقوبات وحجمها ونوعها، فمرتبط بحسب المصادر بالتطورات على صعيد المشهد الحكومي الذي سيتظهر جلياً الأسبوع المقبل بعد اللقاء المرتقب بين رئيسي الجمهورية والرئيس المكلف”. وأضافت المصادر: “إذا لم تُؤلف الحكومة خلال أسبوعين فستلجأ باريس إلى هذه العقوبات”. وكشفت أنّ “عدداً من الشخصيات السياسيّة اللبنانية أجر إتصالات منذ أيام مع بعض أصدقائهم من المسؤولين في الدولة الفرنسيّة للتحرّي والإستطلاع عن حقيقة العقوبات ونوعها وتوقيتها، وقد أجرى أحد المُقربين من الرئيس سعد الحريري إتصالاً بأحد المسؤولين الفرنسيّين للسؤال عن هذا الأمر”.

حكومة لبنان لم تتبلغ رسمياً قرار فرض عقوبات

وتلفت مصادر دبلوماسية رسمية لبنانية لـ”أحوال” إلى أنّ “الحكومة اللبنانية لم تتبلّغ رسمياً من الحكومة أو وزارة الخارجية الفرنسية قراراً بعقوبات مالية على سياسيين لبنانيين”. وتشير إلى أن “الفرنسيين يؤكدون بشكل دائم دعم بلادهم لأمن واستقرار لبنان ولمؤسساته، وهم عامل مساعد لتأليف الحكومة وقدموا مبادرة على هذا الصعيد”. وتنقل المصادر عن أحد المسؤولين الاقتصاديّين والماليّين الفرنسيّين قوله إنّ “فرنسا كانت تتوقع انهيار لبنان الكامل منذ سنوات، لكن استمرار تدفق الدولارات المتأتية من تحويلات المغتربين إلى ذويهم في لبنان والاقتصاد غير الرسمي المتأتي من تلقي النازحين وجمعيات المجتمع المدني غير الحكومية مساعدات بالدولار أخّروا هذا الإنهيار”. وأكد المسؤول الفرنسي أيضاً أن “فرنسا لم توقف مساعداتها إلى لبنان، بل أعادت تخصيص الإعتمادات لدعم قطاعات إنتاجية معينة كالزراعة والصناعة ولدعم المنظمات غير الحكومية لعدم ثقتها بالمؤسسات اللبنانية الحكومية”.

العقوبات الفرنسية “الذكيّة” تختلف عن الأميركية

وفي هذا السياق، يشير الخبير في الشؤون الفرنسية المقيم في فرنسا  تمام نور الدين إلى أنّ “العقوبات الفرنسية والأوروبية تختلف عن العقوبات الأميركية؛ فالأخيرة تطال الشعب في الدولة المستهدفة وهي سياسية أكثر من اقتصادية كالحال في سوريا (قانون قيصر) وإيران. أما الأوروبية، فتُسمى العقوبات الذكيّة التي لا تؤذي الناس بل تستهدف الحكومات والمؤسسات أو المرافق العامة والمنظمات والأفراد.

ويوضح نور الدين أنّ “العقوبات الأوروبية ستُفرض على شخصيات سياسية لبنانية تعترض العملية السياسية وتأليف الحكومة ومنع تحقيق الإصلاحات التي تسمح بالحصول على الدعم الدولي لإنقاذ لبنان وشعبه”. وتشمل بحسب نور الدين “تجميد أصول هؤلاء وأملاكهم في المصارف الخارجية وعقاراتهم، لكن هذا لا يعني المصادرة والتي لا تتم إلا بقرار قضائي ومثال على ذلك القرار الفرنسي بالحجز على أملاك وأموال رفعت الأسد”. أما في الوضع الراهن في لبنان، فتُفرض العقوبات “تحت عنوان عرقلة المؤسسات بعدم تأليف الحكومة وبالتالي تجميد الإصلاحات التي تؤدي إلى وقف برنامج الدعم والتمويل الدولي؛ ما يعني المزيد من الإفلاس والإنهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي وبالتالي تهديد الوضع الأمني”. فالحكومة بحسب نور الدين، تفتح باب الإصلاحات في قطاعات الدولة كالكهرباء والإتصالات والمصارف والمصرف المركزي”.

كما يوضح نور الدين أنّ “العقوبات الفرنسية غير ملزمة للإتحاد الأوروبي، لكن عملياً فرنسا وألمانيا هما القاطرة للإتحاد الأوروبي وأي قرار عقوبات سيُتّخذ على مستوى الإتحاد الأوروبي”.

العقوبات لن تقطع علاقة فرنسا بلبنان

هل تعني العقوبات قطع التواصل مع السياسيّين اللبنانيّين وبالتالي نزع الشرعية والغطاء عن النظام السياسي في لبنان بعد عقود من الدعم والتغطية الدولية والإقليمية؟

تشير المصادر إلى أنّ العقوبات تستهدف أشخاصاً ومؤسسات وليس الشعب ولا الدولة اللبنانية؛ وبالتالي العقوبات لن تقطع علاقات فرنسا بالدولة ولا الشعب في لبنان، بل بالقوى أو الشخصيات السياسية المسؤولة عن الفساد والإنهيار والتي تعرقل مسار تأليف الحكومة لمصالحها الخاصة، وبالتالي تمنع إنقاذ لبنان وعملية النهوض.

أسئلة عدة تُطرح في هذا السياق: لماذا غطت الدول الخارجية النظام اللبناني وهي تدرك عمليات الفساد التي تحصل؟ ألم تكُن صفقات الفساد والسياسات النقدية التي أدت إلى الإنهيار تحصل تحت أعيُن هذه الدول؟ وألم تعرف بأن هذا النظام سيؤدي إلى الفشل والإفلاس؟ فلماذا استمرت بتغطيته طيلة هذه السنوات؟ ولماذا لم ترفع الغطاء عنه منذ زمن بعيد قبل الوصول إلى مرحلة الإفلاس وبالتالي اللاعودة؟ وهل هذا يُخفي مخططاً لإيصال البلد إلى هذه المرحلة لسد منافذ الحلول والخيارات لفرض تنازلات وشروط سياسية واقتصادية وأمنية مقابل فتح الباب أمام مساعدة صندوق النقد الدولي؟

محمد حمية

 

 

اظهر المزيد

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: