سياسة

بقرادوني لـ”أحوال: البطريرك الراعي لا يحيد عن مسار أسلافه

في 15 آذار المقبل يطوي الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي سنته العاشرة على رأس الكنيسة المارونية بطريركاً سابعاً وسبعين. عقد من الزمن مضى، إفتتحه في تموز 2011 بجمع الأقطاب المسيحيين في بكركي في خضمّ الإنقسام العمودي بين 8 و 14 آذار والعمل على المصالحة بينهم. كما نسج خلاله أفضل العلاقات مع المرجعيات الروحية والأطراف السياسية كافة بما فيها “حزب الله”. كذلك، قام بجولات خارجية تراوحت بين الرعوية والسياسية. إلا أن بعض الزيارات كانت تاريخية، فكان أول بطريرك ماروني يزور سوريا منذ العام 1943 في شباط 2013، ويزور الأراضي المقدسة منذ قيام دولة الاحتلال عام 1948 في أيار 2014 ويزور المملكة العربية السعودية في تشرين الثاني 2017.

عقد من المساعي والخلاصة شك بنوايا المسؤولين

عقد من الزمن طبعه الراعي بأسلوبه. عقد من المساعي مسيحياً ووطنياً، داخلياً وخارجياً، آخرها محاولة تفكيك الألغام من أمام تشكيل الحكومة إنتهى بإعلان البطريرك الراعي “الشك في نوايا المسؤولين اللبنانيين الوطنية”، معتبراً انهم “يتنافسون على تعطيل الحلول الداخلية” و”عنادهم يشل الدولة”.

فمن يراقب عظات الأحد، يلاحظ الموقف التصاعدي بوجه الطبقة الحاكمة والمنظومة القائمة والذي تمثّل في تموز 2020 بدعوة البطريرك لإعلان حياد لبنان، مطالباً أيضاً بوضع حد لتعدّديّة السلاح وصولاً الى شباط 2021 حيث رأى أن “جميع المبادرات والوساطات اللبنانية والعربية والدولية استُنفدت من دون جدوى وكأن هناك إصراراً على إسقاط الدولة”، فدعا الى طرح قضية لبنان المنهار في مؤتمر دولي خاص برعاية الأمم المتحدة.

الإنهيار التاريخي الذي يعيشه لبنان على صعد عدة والتقوقع الذي وصل اليه في علاقاته الدولية وفقدان الثقة بالطبقة الحاكمة محلياً ودولياً بعدما لم تبادر جدياً الى إعتماد حلول إنقاذية، دفعت البطريرك الراعي الى الدعوة المزدوجة للحياد وعقد مؤتمر دولي لكنها لم تستطع توحيد المسيحيين حولها.
فرغم التسابق الى الصرح بين الاطراف السياسية وخصوصاً المسيحية إلا أنها لم تشاطر جميعها طروحات البطريرك وقد عبّر “التيار الوطني الحر” عن ذلك بشكل صريح. لا بل وصل بعضهم الى حدّ تكرار سيناريوهات محاولات تحجيم دور بكركي التاريخي والتهميش الذي تعرض له البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير عقب إطلاق نداء أيلول الشهير عام 2000. فكيف يقرأ الوزير السابق كريم بقرادوني الواقع المسيحي اليوم إنطلاقاً من تجربته الحزبية والسياسية لأكثر من نصف قرن؟

علاقة البطاركة بالسياسة عبر التاريخ

يؤكد بقرادوني لـ”أحوال” أن الواقع المسيحي الحاضر ليس بالأمر الجديد، فعند كل إستحقاق سياسي وخصوصاً رئاسي ينقسم المسيحيون وبصورة خاصة الموارنة. في هذا الإطار، يشرح علاقة البطاركة بالسياسة عبر التاريخ قائلاً: “عندما يكون هناك غياب للزعامات المسيحية أو خلاف كبير بينها يكون هناك دوماً دور أساسي للبطريرك. حين تشعر بكركي أن الدور المسيحي متراجع لدرجة ألا أحد يسمع للزعامات المسيحية الضعيفة، تحلّ مكانها وتؤمّن التوازن بين الطوائف. كذلك، حين ترى وجود قوى مسيحية كبيرة ولكن مختلفة، تتدخّل للحد من حدة الصراع المسيحي – المسيحي وإذا أمكن التوصّل الى مساحة مشتركة بينهم. البطريرك الراعي لا يحيد عن هذا المسار. اليوم توجد قوى مسيحية مهمة تتمثل بالرباعي جبران باسيل وسمير جعجع وسليمان فرنجية وسامي الجميل. وقد سعى البطريرك لجمعهم حول مشروع ولكن حين لم يستطع ذلك، إختار خطاً آخر عبر طرح مشروع حياد لبنان والدعوة الى مؤتمر دولي لدعمه”.
يضيف: “الإنقسام على سبيل المثال بين “التيار الوطني الحر” وبين “القوات اللبنانية” ليس الأول من نوعه في تاريخ المسيحيين ولن يكون الأخير. فمع إقتراب الإنتخابات الفرعية والإنتخابات النيابية العامة ثم إستحقاق رئاسة الجمهورية نحن بحالة شد عصب لا وحدة موقف”.

المبادرة الفرنسية تدويل وقبل بها الجميع

يعرض بقرادوني لشروط الحياد والتدويل، قائلاً: “الحياد يتطلّب توافقاً داخلياً وغطاء خارجياً وخصوصاً من قبل دول الجوار. لننظر الى سويسرا، فليس توحّد شعبها حول إعتماد النظام الفدرالي ما جعلها حيادية بل القبول الأوروبي بحيادها. لذا المشروع صعب. أما التدويل فأسهل، إذ يكفي إتفاق بعض الدول الرئيسة في العالم كالدول الخمس في في مجلس الامن على ذلك. على سبيل المثال المبادرة الفرنسية هي تدويل. فبمجرد أن قبل بها الجميع – ولو لم يستعملوا كلمة تدويل – فيعني انهم قبلوا به”.
كما يشدّد على أننا في حال تدويل غير معلن، مشيراً الى أن التوافق الداخلي أهم من التدويل لأنه هو الباب له. كذلك، يذكّر بأن رئيس حزب “الكتائب” بيار الجميل المؤسس طرح الحياد في مؤتمر في مطلع الستينات والفكرة ليست بجديدة ولكن أهميتها أنها آتية من بكركي.
يتابع: “نحن لسنا على أبواب نقلة نوعية أو موقف نهائي، بل على أبواب إستحقاقات. وفي زمن الإستحقاقات تزداد الخلافات، لذا لا أوافق اليوم على توقيت طرح الحياد. أتصور أن ما سيطغى بعد شهر على المشهد السياسي هو الإنتخابات الفرعية”.
بقرادوني يرفّض الإجابة عن سؤال بشأن الحملة الشرسة التي تعرّض لها البطريرك عقب طرح الحياد والمؤتمر الدولي داعياً الى توجيهه الى مطلقيها، لكنه لا يستغرب أن تسعى أحزاب سياسية وإعلامها لحصر دور البطريرك بالشؤون الدينية وإعتبار الشؤون السياسية يجب أن تكون بيد الأفرقاء السياسيين، مضيفاً: “بالطبع ثمة من سيقول له “مش شغلتك” وهذا تكرّر مراراً عبر السنوات الماضية”.
كما لا يعتبر أن السياسيين اللبنانيين إنقلبوا على المبادرة الفرنسية بل “كل فريق يسعى الى معرفة ما الحصة التي سينالها”، موضحاً: “لسوء الحظ المشاريع الكبرى تتحوّل في لبنان إلى محاصصات صغيرة. لقد كان الجانب الفرنسي ذكياً كفاية حين ربط مساعدته بمبادرة اللبنانيين الى تشكيل حكومة اولاً”، ومشيراً الى أن الحكومة كانت لتشكَّل سريعاً لولا المبادرة الفرنسية والأدوار المرتقبة والمساعدات المنتظرة، إذ يسعى كل طرف الى تحصيل الحصة الأكبر والى أن هذا المشهد أيضاً ليس بجديد فقد شاهدناه في محطة عدة من التاريخ اللبناني الحديث.

عين الفاتيكان دوماً على دور لبنان وأمنه وحمايته

يؤكد بقرادوني أنه لطالما كانت عين الفاتيكان بكل المراحل على دور لبنان وأمنه وحمايته وبصورة خاصة حماية المسيحيين، مضيفاً: “حضور الفاتيكان حقيقي في العالم ومسموع الكلمة حتى من الدول الكبرى غير الكاثوليكية وغير المسيحية، فحيث هناك كاهن يكون هناك دور له. إذ الكاهن أشبه برئيس قسم في الأحزاب. للبطريرك الراعي علاقات وطيدة بالفاتيكان وهو يصغي جيداً له. كما أن روسيا برئاسة بوتين مهتمة بمسيحيي الشرق الاوسط حيث القدس”.
ورداً على سؤال، أجاب: “كلما تدخّل الراعي أكثر في مسألة الحلول والحياد والتدويل، كلما حصد إحتضاناً شعبياً. لكن بقدر ذلك ستسعى القوى السياسية الى إسترداد هذا التأييد الشعبي. فالأحزاب تدرك أهمية الطوائف ودورها وقوتها في لبنان”.
تابع: “اللبنانيون معتادون على معالجة المسائل الطائفية وماهرون بإبتكار الحلول للمشاكل السياسية خلافاً لكل إعتقاد، لكن للمرة الأولى يواجهون – دولة وشعباَ – مشكلة لم يعتادوا عليها وهي ذات طابع إقتصادي ومالي وإجتماعي وهذه تتطلب مقاربة مختلفة ورؤية وتخطيط. لذا يجب التوحّد لمعرفة كيفية معالجة ذلك وعلى أي حكومة ستشكّل أن تضع على رأس أولوياتها برنامجاً إقتصادياً إجتماعياً أي عملياً المبادرة الفرنسية. الفقر في لبنان إما يؤدي الى الهجرة واليأس وإما الى ثورة، والإحتمالان واردان”.

هل يستحضر باسيل حلف الإقليات؟

كثرٌ شعروا بأن إستشهاد باسيل في مؤتمره الأخير بموقف للرئيس السوري بشار الأسد أمامه حول أهمية بقاء رئيس الجمهورية في لبنان مسيحياً وتودّده الى الأمين العام لـ”حزب الله” أشبه بإستحضار لطرح “حلف الأقليات”، فهل يكون رداً على طرح الحياد؟!
بقرادوني الذي يشير الى أنه ليس مع حلف الأقلية، يؤكّد أنه لم يسمع يوماً باسيل يطرح ذلك، معتبراً أن إستشهاده بالأسد و”حزب الله” أمر طبيعي وواقعي ولا خلفية حلف أقليات في هذا الحديث، ومشيراً الى ألا طرح من قبل باسيل ولا حديث في الأوساط المسيحية عن ذلك.

العين على موقف البطريرك السبت

توقّع بقرادوني وجود كل الأطراف المسيحية وحتى غير المسيحية في لقاء السبت الشعبي في بكركي، لكنّه أكّد أنه من المهم في هكذا حشد التنبه لأي مشكل أمني أو خلافات بين الحشود، مضيفاً: “العين يجب أن تكون على الموقف الذي سيطلقه الراعي لأنها مناسبة لتقديم طرح إستراتيجي حول المبادرات التي يعلن عنها في المفرق”.
وختم بقرادوني بتمنيين، الأول أن تسير كل الإستحقاقات في وقتها من الإنتخابات الفرعية إلى الإنتخابات العامة الى إنتخاب رئيس للجمهورية، مضيفاً: “التخوف طبيعي لأن عند كل إستحقاق رئاسي نعيش شغوراً وعند كل إستحقاق نيابي نشهد تأجيلاً. أهمية لبنان أن يحافظ على إستحقاقاته”. أما تمنيه الثاني فهو أن يسير الداخل اللبناني بالمبادرة الفرنسية لأنها عصفور باليد.

ينطلق بشارة الراعي في عقده الثاني كبطريرك ماروني، على وقع العصف الوجودي الذي يهدد لبنان، وهو كأسلافه بادر بعدما فقد الأمل بالطبقة الحاكمة والمنظومة القائمة الى طرح إنقاذي من وجهة نظره. فهل يتخطى التحديات ويراكم النضالات ويجعل من بكركي حاضنة شعبية ووطنية للحياد، فنشهد إطاراً سياسياً شبيهاً بـ”قرنة شهوان” أو “البريستول”؟ وهل يتوّج الراعي “بطريرك الحياد” كما توّجتّ الوقائع سلفه الكاردينال صفير “بطريرك السيادة؟

اظهر المزيد

جورج العاقوري

صحافي ومعّد برامج سياسية ونشرات اخبار

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: