سياسة

في بلد العجائب.. “المحسوبيات” تخرق عمليات التلقيح

رئيس الجمهورية ميشال عون وعقيلته و16 شخصاً من فريقه تلقوا اللقاح

استفاق اللبنانيون اليوم على فضيحة من العيار الثقيل؛ ففي بلد العجائب، لا مستحيل!

مواقع التواصل الاجتماعي ضجّت منذ الصباح الباكر بخبر مفاده أن 16 نائبًا في البرلمان اللبناني، ممّن هم فوق الـ75 سنة، تلقّوا اللقاح المضاد لفيروس كورونا والذي وصلت الدفعة الأولى منه إلى لبنان منذ أكثر من 10 أيام.

في المبدأ، أن يتلقّى المسنّون اللقاح ليس بأمر مخالف للمعايير والإجراءات، إنّما أن تلعب “الوساطات” دورها حتى في الأمور الصحية، وأن يستغلّ الفرد نفوذه ومركزه ومنصبه للحصول على اللقاح قبل غيره، فهذا أمر منافٍ للأخلاق وللإنسانية وللشروط المفروضة على كل من يرغب في الحصول على لقاح كورونا.

نواب الأمة الكرام، الذين يحاضرون بالعفّة كل ما سنحت لهم الفرص، ويدّعون محاربتهم الفساد ويجاهرون بضرورة كشف الفاسدين، هم اليوم من يقومون بتلك الأفعال “على عينك يا تاجر”، بكل ثقة وبـ”وقاحة” مفرطة، من دون أن يحسبوا أي حساب لأهالينا وأجدادنا من هم يساوونهم في العمر، لكن الفرق بينهم والنواب “الكرام”، هو أن أهلنا وأقاربنا يحترمون القوانين وينتظرون دورهم ليحصّنوا أنفسهم رغم خطورة هذا الوباء على صحتهم، بعد أن أفتك ومازال بالعديد من اللبنانيين وخطف الأحبّة بلمحة بصر.

هل يجمّد البنك الدولي تمويله

الفضيحة بدأت بتغريدة نشرها مراسل “رويترز” في لبنان، حيث أشار إلى أن  الامين العام لمجلس النواب، عدنان ضاهر، أخبره أن 16 نائبًا سيتلقون لقاح كورونا في المجلس النيابي، سائلًا عمّا إذا كان هذا الأمر سيتم بموافقة الهلال الأحمر الدولي والصليب الأحمر اللبناني وتحت إشراف الفرق المختصة

ممثل البنك الدولي في لبنان، ساروج كومار، لم يتردّد في الرد، حيث أكّد أن ما حصل ليس من ضمن الاتفاقية المبرمة بين الدولة اللبنانية والبنك الدولي بشأن توزيع اللقاحات، ويشكل خرقًا للشفافية، كما هدّد أنه و”بناءً على تأكيد الخروقات، قد يجمّد البنك الدولي تمويله لدعم اللقاحات في لبنان”، مناشدًا الجميع، بغض النظر عن منصبهم، التسجيل عبر المنصة وانتظار الدور لتلقي اللقاح، مرفقًا تغريدته بهاشتاغ “NoWasta”.

من جهته، الأمين العام لمجلس النواب، عدنان ضاهر، الذي أيضًا تلقى اللقاح في المجلس النيابي، أعلن أن ذلك حصل بوجود فريق من وزارة الصحة والصليب الأحمر اللبناني، وأكد  أن النواب الذين تلقوا اللقاح عمرهم فوق الـ75 سنة وقد سجّلوا أسماءهم في المنصة الرسمية وحان دورهم. أما تلقيحهم بمجلس النواب وليس في المستشفيات، فلفت ضاهر إلى أن ذلك حصل لتخفيف الضغط عن المستشفيات و”عم نعمل شغلة منيحة”، بحسب تعبيره، إلا أن المعلومات التي انتشرت تقول إن معظم النواب هم فوق الـ70 عامًا وليس 75، وهم: عبد الرحيم مراد، وهبي قاطيشا، مصطفى الحسيني، علي عسيران، نقولا نحاس، غازي زعيتر، إيلي الفرزلي، سليم سعادة، ياسين جابر، أنيس نصار، أسعد حردان، ميشال موسى، أنور الخليل، فايز غصن، وألبير منصور، إضافةً إلى الموظفين عدنان ضاهر، رياض غنام، محمد موسى، نقولا منسى، وسيمون معوض.

وبعد إقحامه في هذه الفضيحة، أوضح الصليب الأحمر اللبناني في بيان أن ليس له أي دور رقابي، تنظيمي أو عملاني في حملة التلقيح

استقالة.. لا استقالة

في المقابل، وفور انتشار الخبر، خرج رئيس اللجنة الوطنية للقاح كورونا، د. عبدالرحمن البزري عن صمته، مهددًا بالاستقالة على خلفية تلقيح عدد من النواب في المجلس من دون موافقة من اللجنة الوطنية، معتبرًا أن ما حصل اليوم هو خرق لا يمكن السكوت عنه، إلا أنه ما لبث أن تراجع عن قرار الاستقالة، حيث عقد مؤتمرًا صحافيًا اعتذر فيه من اللبنانيين عمّا حصل، وقال: “الاستقالة كانت ردّة فعل طبيعيّة من قبلي، ولكن أعضاء اللجنة الوطنية تمنوا علي عدم الاستقالة كي لا تفشل الخطة”.

من هنا، رأت إحدى رواد موقع “تويتر” أن من يجب أن يستقيل هو وزير الصحة حمد حسن، مشيدة بالدور الكبير الذي يلعبه د. عبدالرحمن البزري منذ بدء جائحة كورونا حتى وصول اللقاحات والمباشرة بعمليات التطعيم، في حين رأى آخر أن الاعتذار من اللبنانيين لا يكفي

هجوم على “تويتر”

من جهة أخرى، شنّ روّاد موقع “تويتر”، هجومًا عنيفًا على جميع المعنيين وكل من أشرف على الموضوع ولم يمنع حصول هذا الخرق، حيث أشارت إحداهن إلى أن أحد أقرباء مدير شركة “فايزر”، المصنّعة للقاح، انتظر دوره ليأخذ الطعم، بينما نواب البرلمان اللبناني خرقوا القوانين وحصلوا على اللقاح قبل غيرهم، مسلطة الضوء على الفساد والمحسوبيات التي تسيطر على كافة جوانب الدولة اللبنانية

واعتبر أحدهم أن حملة الـ”لا واسطة” استمرت لمدة أسبوع في لبنان، وهذا أمر مستغرب، باعتبار أن الواسطة وكل ما حصل كان متوقّعًا في ظل وجود منظومة فاسدة ومستهترة بشعبها إلى هذه الدرجة

 

لاستقالة وزير الصحة

امتدت الحملة لمهاجمة وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن، والذي يعتبره البعض مسؤولًا عن الخرق الذي حصل، خصوصًا أن عملية التلقيح حصلت بإشراف وزارة الصحة

الفرزلي أيضًا

نائب رئيس مجلس النواب، إيلي الفرزلي، كان له حصّة كبيرة أيضًا من الهجوم، خصوصًا بعد أن نشر تغريدة أكد فيها أنه سجّل في المنصة المخصصة وحصل على اللقاح لأن دوره قد حان، علمًا أن الصورة التي نشرها الفرزلي لم تظهر تلقيه أي موعد للحصول على اللقاح، إنما فقط أظهرت أنه سجل اسمه

 

 

وبعد هذا الهجوم، رغب الفرزلي في التوضيح، ليؤكد للبنانيين أنه حقًا تسجّل وزوجته في المنصة، وحان دوره لتلقي اللقاح، فنشر هذه التغريدة:

إلا أنه لم يسلم أيضًا من المغردين الحاقدين على منظومة منافقة وفاسدة وسارقة لحقوقهم ومهدّدة لصحتهم وصحة ذويهم

 

عون تلقى اللقاح

وبعد هذه الفضيحة، بدأت الأخبار تنتشر، لتثبت أكثر أننا نعيش مع مسؤولين يحترفون الكذب والسرقة والفساد، ويكذبون على شعبهم في أبسط الأمور، حيث أشارت “قناة الجديد” إلى أنه “يوم الجمعة الفائت، توجه فريق طبّي الى القصر الجمهوري حيث جرى تلقيح رئيس الجمهورية وعقيلته و16 شخصاً من فريق الرئيس”، وذلك بتكتّم شديد، بينما هناك مئات اللبنانيين الذين ينتظرون دورهم لتلقي اللقاح، ويحاربون الموت يوميًا.

في الخلاصة، فالنواب الذين تلقوا لقاح كورونا “خفية” وبعيدًا عن أعين الصحافة والإعلام، هم أنفسهم حاولوا في السابق التصدي لبرنامج البنك الدولي لمساعدة العائلات الأكثر فقرًا بسبب “الشروط التي تضمن الشفافية”، بينما الشفافية بالنسبة لهؤلاء مجرّد “كلمة وبتنقال”، لتبقى الأفعال هي التي تظهرهم على حقيقتهم.. وسجّل يا تاريخ!

ياسمين بوذياب

اظهر المزيد

ياسمين بوذياب

صحافية لبنانية، عملت في عدة مواقع الكترونية إخبارية وفنيّة، وعملت كمراسلة في تلفزيون "لنا بلاس" الإخباري.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: