سياسة

ثلاثة أسباب تجعل الحكومة ورقة العهد الأخيرة

الحريري يخشى تكرار سيناريو 17 تشرين

نقلَت مواقف الرئيس سعد الحريري المشهد من مجرّد عقدةٍ حكومية إلى أزمة سياسية ذات أبعادٍ دسّتورية وطائفيّة تظهّرَت جليّاً في مضمون السجال الحاد على جبهة بعبدا – بيت الوسط. إذ لم تَعُد المبادرات المحليّة تُجدي نفعاً، بل تحتاج إلى جهودٍ وضغوطٍ وتسوياتٍ دولية – إقليمية لم تنضُج بعد.

فمن يتنازل أولاً عون أم الحريري؟

وإن كان كلام الحريري حول تفاصيل المفاوضات مع رئيس الجمهورية صحيحاً، لكن عرضه للرأي العام بهذا الشكل، ضربَ آمال تأليف حكومة قريباً، بحسب قول مصادر سياسية واسعة الإطلاع على مُجريات الأحداث في لبنان والمنطقة. ولفتت المصادر لـ”أحوال” إلى أنّ “لبنان أبعد ما يكون عن تأليف الحكومة؛ فالحريري ألزم نفسه أمام الرأي العام بجملة لاءات ومواقف عالية لا يُمكِنه التراجع عنها أمام جمهوره والخارج، وهو يعرِف أنّ الرئيس ميشال عون لم يعُد لديه شيئ ليخسره”. مضيفة: “قبل عام كان عون حريصاً على إنقاذ عهده بالتنازل لتأليف حكومة تُحقِق إنجازات تُحتسَب له، لكن إذا كان إنقاذ العهد يتم بالإنكسار أمام شروط الحريري فهذا لن يحصل. وبالتالي عون لن يتراجع عن حكومة من دون الثُلث المعطّل لأسبابٍ عدة، بحسب المصادر:

السبب الأول: تعرّضت علاقة العهد مع حلفائه (سيّما حزب الله) إلى خللٍ، ولم يعد الحزب يجاري بعبدا في الملفات الداخلية ذات الصلة بالعلاقة مع حركة أمل بما يؤمّن استقرار البيئة الشيعية، ولا مع تيار المستقبل بما يضبط الفتنة المذهبية. فبعبدا واللقلوق تريدان عبر الثُلث المعطل التحكّم بالقرار في الحكومة التي تنتظرها قرارات هامة على كافة المستويات، وبالتالي أن يكون لديهما حق تعطيل قراراتها كحدٍ أدنى وإقالتها عبر استقالة ثُلث وزرائها كحدٍ أقصى إذا اقتضت الحاجة.

 السبب الثاني: إنّ المسيحييّن لم يشعروا بعزلة منذ ثلاثين عاماً كالتي يعيشونها اليوم. فباستثناء صمود التحالف مع الضاحية، فإنّ العلاقة متدهورة مع القوى الإسلامية من تيار المستقبل ونادي رؤساء الحكومات السابقين والطائفة السنية عموماً إلى حركة أمل والحزب الإشتراكي، فضلاً عن تراجع شعبية التيار مسيحياً خلال العامين الماضيين، والخلاف مع القوات اللبنانية والكتائب والمردة وحتى مع الكنيسة المارونية. أمّا العلاقة مع الخارج فليست بأفضل حال: عزلة خليجية ومقاطعة فرنسية وعقوبات أميركية على باسيل.

السبب الثالث: يخشى باسيل بعد نهاية عهد عون على مستقبله السياسي ومصير تياره والبيئة المسيحية التي يمثلّها، سيّما وأنّ الحكومة العتيدة سترِث صلاحيات رئيس الجمهورية في حال تعذُّر انتخاب رئيسٍ. علماً أنه وبحسب مصادر سياسية وقانونية، فإنّ عمر الحكومة المقبلة سينتهي وتتحوّل إلى تصريف أعمال فور إجراء الإنتخابات النيابية الجديدة في أيار 2022. أي قبل نهاية عهد عون بستة أشهر، وبالتالي الأكثرية النيابية الجديدة ستشكّل الحكومة التي تلي الحكومة الجديدة بالتعاون مع عون. لكن وفق مصادر العونيين، فإنّ العهد يتحسّب لأصعب السيناريوات منها حصول حدثٍ ما يحول دون إجراء الإنتخابات النيابية ويجري التمديد للمجلس النيابي، وهذ ما سيُواجَه بمعارضة سياسية وشعبية في الشارع وتدخل البلاد في أزمة سياسية دستورية تمتد إلى ما بعد نهاية عهد عون، ما يعني بقاء حكومة تصريف الأعمال “الجديدة” في سدة الحكم.

وانطلاقاً من هذه الأسباب، يرى عون وصهره أنّ الورقة الوحيدة الرابحة التي يملكانها هي الثُلث المعطّل في الحكومة كضمانة لهما في كافة السيناريوات المتوقعة، وتكون أيضاً مظلة سياسية داخلية تقيهما الضغوط الخارجية والأميركية تحديداً والتحوّلات الداخلية وفي المنطقة.

حكومة تكسُر عون وحزب الله

ولفتت مصادر إلى أنّ البلاد ستبقى بلا حكومة لفترة طويلة في ظل تكيّف اللبنانيين مع هذا الواقع؛ مستبعدة حصول إنهيارات اقتصادية واجتماعية ومالية شاملة لأنها لا تصب في صالح أحد، لا الأحزاب السياسية اللبنانية ولا الأطراف الخارجية الفاعلة في لبنان. وبالتالي ستبقى حكومة حسان دياب تصرّف الأعمال بالمفهوم الضيّق وفق الدستور لإطالة أمد الصمود الداخلي ريثما تتبلور الصورة الإقليمية والدولية. وتضيف المصادر أنّ “تشدد الحريري مردّه إلى هواجسه من السعودية، وأنه يريد تقديم هدية للمملكة لنيل رضاها وذلك عبر حكومة تكسِر حزب الله وعون. وتتوقع المصادر أن تظهر إشكالية تمثيل الحزب بعد الإتفاق مع عون، فمحاولة تحجيم عون تخفي الهدف الرئيسي بضرب حزب الله.

اتصالات روسية مع فرنسا والسعودية

في المقابل، يرى مستشار ​رئيس الجمهورية​ للشؤون الروسية، ​أمل أبو زيد​، العائد حديثاً من زيارة إلى موسكو، أنّ المجتمع الدولي مهتم بلبنان لكن على اللبنانيين أن يساعدوا أنفسهم. وكشف أنّ الإتصالات الروسية لم تتوقف مع كل من فرنسا والسعودية في محاولة للدفع باتجاه تأليف الحكومة. لكن أبو زيد كشف أنّ “موقف المملكة سلبي فيما يتعلق بتسهيل موضوع تشكيل الحكومة، ويبدو أنّ السعوديين غير مهتمين بالوضع اللبناني ولديهم أولويات أخرى”. وشدّد أبو زيد لـ”أحوال” على أنّ المبادرة الفرنسية لا زالت قائمة.

أمّا عن وجود مبادرة روسية للمساعدة في تأليف الحكومة، فنقل أبو زيد عن المسؤولين الروس الذين التقاهم تأكيدهم بأنّه “عندما يُطلب منا نقوم بمبادرة، لكن الآن لا يوجد”.

وساطات لاسترضاء المملكة باءت بالفشل

لكن الحريري بحسب معلومات “أحوال”، أدرك خلال جولته الدولية الأخيرة بأنّ التسوية الإقليمية التي تُظلّل عادة “الطبخة الحكومية” لم تنضُج بعد، لا سيّما وأنّ جميع الأطراف التي وسطها الحريري لإزالة “الحُرُم السعودي” عنه باءت بالفشل. وبالتالي لا يجرؤ على توقيع مرسوم حكومة تُغضِب المملكة لاعتبارات عدة سياسية ومالية وطائفية وأمنية. علماً أنّ حادثة احتجازه في السعودية في العام 2017 لا تزال حاضرة في ذاكرته.

لذلك، فإنّ أي خطوة ناقصة ستُعرّض حكومة الحريري للحصار الخارجي والمعارضة السياسية والشعبية الداخلية، ما سيضعه في مواجه الشارع من جديد وتكرار سيناريو تشرين 2019، وبالتالي خسارة مستقبله السياسي. كما أنه لم يِعُد يستطيع الإعتذار عن التأليف لأنّه أشبه بالإنتحار؛ ويخلص المطلعون للقول بأنّ الحريري لن يُخاطر ويؤلّف حكومة بلا رضا الخليج والسعودية، لئلا تنفجر في وجهه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فيلعب بالوقت الضائع عبر رمي الكرة إلى ملعب بعبدا لإبعاد المسؤولية عنه.

فيما تشير مصادر على صلة بالرئيسين عون والحريري، إلى أنّ عون اشترط على الحريري القبول بالتدقيق الجنائي كمدخل للإصلاح، وأن يتقدم على كافة الخطط الإصلاحية، لكن الحريري رفض مّما أثار غضب عون.

محمد حمية

 

اظهر المزيد

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: