سياسة

التياران الأزرق والبرتقالي… مساكنة بالإكراه أم الطلاق الطوعي؟

ما قاله عون عن الحريري ولم يلتقطه "الفيديو"؟

قد تكون العلاقة بين التيّار الوطني الحر وتيّار المستقبل الأكثر غرابة في طبيعة العلاقات بين الأحزاب السياسية في لبنان.

فإذا كانت العلاقة بين التيارين الأزرق والبرتقالي مرّت باستقرارٍ سلبي نسبي بعد عودة “الجنرال” ميشال عون إلى لبنان حتى سنة التسوية الرئاسية 2016، فإنّ حالة الإنفصام السياسي كانت سِمة المرحلة الممتدة من التسوية الرئاسية 2016 حتى 2021.

فمرحلة “الإبراء المستحيل” انتهت بمساومة وتسوية سياسية رئاسية، وإن حاول التيّاران تغليفها بشعارات أنّ التيار لم يتنازل عن”الإبراء المستحيل” بهدف الوصول لرئاسة الجمهورية، وترجم هذا “الإبراء” إلى قوانين تشريعية وتنفيذية؛ أو قول المستقبل بأنه تنازل في السياسة وخالف إرادة طائفته لمصلحة لبنان وليس للوصول إلى السراي الحكومي.

لكن “التسوية الهشة” لم تصمد طويلاً أمام ضغط الأحداث الداخلية وعصف الإقليم والمشاريع الدولية. فكان احتجاز الرئيس سعد الحريري ضربة أولى لهذا التحالف المستجد بين “الجنرال” و”صهره” و”الشيخ”. وكانت حكومة الحريري الضحية الأولى لأحداث 17 تشرين. ومذ ذلك الحين اعتصم رئيس المستقبل بالحجر السياسي في “بيت الوسط” وأدار المعركة السياسية مع حلفاء الأمس عون – باسيل محملاً الفريق العوني مسؤولية إقصائه عن السلطة.

انتهج الحريري سياسة “محرقة المرشحين” في إستحقاق التكليف حتى بقي المرشح الوحيد من دون منازع حتى سقوط حكومة الرئيس حسان دياب إثر تفجير المرفأ. واستطاع بدعم ثنائي أمل وحزب الله انتزاع التكليف لتأليف الحكومة الجديدة عنوة عن ثنائي الرئيس والصهر؛ ومذ ذلك الحين بدأ الصراع يتجلّى في عملية التأليف حتى وصلنا إلى أبواب مقفلة.

فماذا بعد تسريب “الفيدو” الأخير في بعبدا؟ هل تتجه العلاقة بين التيارين إلى طلاق سياسي طوّعي أم إلى العودة إلى المساكنة بالإكره تحت سقف حكومي واحد؟

تصعيد متوقّع في وجه العهد

نائب رئيس تيار المستقبل الدكتور مصطفى علوش يُشير لـ”أحوال” إلى أننا “كنا طيلة الوقت السابق نفصل بين عون وباسيل، على أن الأخير هو المتحكم بمفاصل القرار في رئاسة الجمهورية. لكن اليوم بات عون أصل المشكلة ولم يعد الفصل ممكناً، لكن لن ننجرّ إلى مستوى الكلام غير اللائق الذي أدلى به عون بحق الحريري”.

ويُحكى في الكواليس عن اتجاه لدى المستقبل والمراجع في الطائفة السنية للتصعيد في وجه العهد رداً على استهداف موقع رئاسة الحكومة. لكن علوش يلفت إلى أن “الحريري سيبقى يتعامل مع رئيس الجمهورية كرئيسٍ مكلف ووفق الدستور. أما تيار المستقبل والأطراف السياسية الحليفة، فهناك سعي لتأليف جبهة سياسية للوقفوف سداً منيعأً ضد محاولات العهد تدمير الجمهورية وهذه الجبهة مكوّنة من المستقبل ونادي رؤساء الحكومات السابقين والحزب الإشتراكي وربما تنضم قوى أخرى كالرئيس نبيه بري”.

ويضيف علوش أنه “وبعد وصول العلاقة بين الموّقعين الدستوريين إلى مرحلة مفصلية، لا بد من العودة إلى المجلس النيابي كحكم سيما وأن المجلس هو من انتخب رئيس الجمهورية وكلّف الحريري تأليف الحكومة”.

وعلم “أحوال” أنّ رئيس الجمهورية بصدد تحضير خطوات دستورية لمواجهة حالة الإستعصاء الحكومي الذي بلغ مرحلة الأزمة السياسية الوطنية؛ فعون سيجري مروحة إتصالات للتشاور مع المعنيين ورؤساء الكتل النيابية للبحث عن سبل للخروج من الأزمة. ومن ضمن الأوراق في جعبة عون، مخاطبة مجلس النواب برسالة  يدعوه فيها إلى تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف أزاء تقصير الحريري عن مسؤولياته في التأليف. وهنا يعتبر علوش أنّ “خير ما يفعل عون العودة إلى المجلس النيابي”؛ مضيفاً: “في حال تراجعت الكتل النيابية عن تسمية الحريري، فسيتجه الأخير إلى الإعتذار لياقة وأدبياً عن إكمال مشواره الحكومي؛ لكن لا يحق للمجلس سحب التكليف دستورياً. لكن دون ذلك فالحريري لن يعتذر”.

لكن السؤال كيف ستعمل الحكومة إن تألفت في ظل العلاقة السيئة بين عون والحريري؟

يرى علوش بأن “الحريري بعد تأليف الحكومة سيتعامل مع عون وفق الدستور وآلياته في اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، فإما التوافق وإما التصويت”.

لكن أحد النواب المستقبليين العقلاء وضمن الدائرة الضيقة بالحريري يؤكد في مجالسه الضيقة بحسب ما علم “أحوال” بأنّ “الحريري يكن المودة والإحترام لعون حتى الساعة ويشعر بأنّه كالأب”. وطلب الحريري في أحد اجتماعات كتلة المستقبل عدم التهجم على عون لأنه “عاملني كأني ابنه” سيما خلال احتجازي في السعودية.

ويؤكد علوش بأنّ حجم التباعد بين عون والحريري بات أكبر من وساطة حزب الله. ونفى علوش أن يكون هدف جولة الحريري العربية هو حشد قوى عربية للدفع لتأليف الحكومة، مضيفاً أنّ “الحكومة تتألف في لبنان”. لكن الحريري بحسب علوش يعمل لإعادة بناء علاقات جديدة في المنظقة ودور إقليمي للتوفيق بين القيادات العربية.

جبور: لسنا مغرمين بالحريري لكن لا قطيعة نهائية

في المقابل، ترى منسقة اللجنة المركزية للاعلام في التيار الوطني الحر رندلى جبور أنّ “التيار لا يتعاطى في الملفات الوطنية من منطلق شخصي بل سياسي. لكن بالتأكيد الثقة بين طرفين تلعب دوراً أساسياً في تعزيز العلاقة رغم التباينات في بعض الملفات. كحال العلاقة بين التيار وحزب الله التي بُنيت على بنيان الثقة واستمرت منذ 2005 حتى الآن”.

وتوضح جبور لـ”أحوال” أن “التسوية الرئاسية هدفت لبناء شراكة مع أطراف سياسية داخلية لها حيثية شعبية وسياسية وطائفية لمصلحة البلد. لكن أجرينا مراجعة داخلية للعلاقة مع المستقبل، وتبيّن وجود خيبات واستحالة في تحقيق أهداف عدة على صعيد الإصلاح ومكافحة الفساد وبناء الدولة. ولذلك لم نتحمس لعودة الحريري الأخيرة إلى رئاسة الحكومة كون لدينا تجربة فاشلة معه”.  وتتابع جبور، لذلك لا نرى بالحريري رجل المرحلة القادر على الإصلاح وإنقاذ البلد وحمل كرة النار والملفات الوطنية كالتدقيق الجنائي ومكافحة الفساد ترشيد الدعم وحلول الأزمات الاقتصادية والمالية. لكن تستدرك جبور بالقول: “كون الحريري موجوداً بحكم الأمر الواقع بناء على نتائج الإستشارات النيابية، نعمل على إيجاد صيغة حكومية تحترم الدستور والمعايير الموحدة بغض النظر عن مشاركتنا من عدمها؛ لكن هذا متعذرٌ حتى الآن كون الثقة اهتزت معه رغم أن لا قطيعة نهائية في السياسة. فإذا رضخ الحريري للأمر الواقع وسار في حكومة تحترم الدستور وصلاحيات رئيس الجمهورية، فحينها نقرر منحه حكومته الثقة أم لا. والأمور رهن مواقيتها ومواقفها. فلسنا مغرمين بالحريري لكن لم نصل إلى مرحلة الطلاق”.

وأكدت أوساط مطلعة في التيار العوني لـ”أحوال” أنّ “الفيديو ليس مسرباً عن قصد؛ فالرئيس عون لا يعتمد هذا الأسلوب. وإن كان مقصوداً فلن نسرّبه لقناة تتهجم على الرئيس ليلاً نهاراً. لكن ما قاله عون هو الحقيقة ولن يتراجع عنه أو يعتذر. فعون لم يُطّلق صفة الكذب على الحريري بشكلٍ مطلق. بل كان يجيب على كلام الحريري بأنّ عون سلمه أسماء للوزراء المسحيين. والحقيقة أن الحريري سلم عون أسماء لوزراء مسيحيين وليس العكس.

وأكدت المصادر بأنّ العلاقة مقطوعة كلياً على محوري بعبدا وميرنا الشالوحي من جهة وبيت الوسط من جهة ثانية.

وكشفت مصادر “أحوال” أنّ “عون قال كلاماً أكثر قساوة في القسم الثاني من الدردشة مع دياب والذي لم ينشر. إذ قال عون فيه إنّ “الحريري لا يريد تأليف الحكومة لأنه يرفض السير بملف مكافحة الفساد، سيما التدقيق الجنائي ولذلك هو لا يريد تحمل المسؤولية ويرمي الكرة في ملعب الرئاسة الأولى.

فإلى أين تتجه العلاقة بين بعبدا وبيت الوسط؟ وهل الإستعصاء الحكومي سيدفع بالحريري إلى خيار الإعتذار؟

بحسب مطلعين على المشهد السياسي، يبدو أنّ المواقف الأخيرة لرئيس التيار النائب جبران باسيل معطوفة على “الفيديو” المسرّب لرئيس الجمهورية، تُخفي قراراً من العهد لإحراج الرئيس المكلّف لدفعه للإعتذار، فإخراجه عن المشهد الحكومي والبحث عن بديل له. وما شجع عون وباسيل على هذا القرار، بحسب المصادر، هي التطورات الأخيرة التي حصلت في الولايات المتحدة الأميركية واقتراب نهاية ولاية ترامب التي فرضت إدارته العقوبات على باسيل. لذلك الأخير لم يعد يخشى العقوبات، ما عزّز موقعه وحركيته وموقعه التفاوضي مع الحريري. لذلك اتخذت المعركة مع المستقبل أبعاداً جديدة أكثر إيلاماً.

وهذا هو السيناريو الأول أي اعتذار الحريري وتكليف شخصية أخرى، وهذا شديد الصعوبة في ظل عوامل عدة منها تمسك الحريري ومن خلفه رؤساء الحكومات السابقين والمراجع في الطائفة السنية بالحريري الذي لديه مصلحة أيضاً بالبقاء في ساحة التكليف بانتظار جلاء المشهد الإقليمي علّه يصب في صالحه. كما يخشى من عقوبات أميركية – خليجية في حال انسحب من المشهد الحكومي.

أما السيناريو الثاني فهو انتظار متغيرات دولية وإقليمية يفرزها انتقال السلطة في أميركا وانتهاج بايدن سياسات جديدة ستنعكس على مستوى العالم والمنطقة ومن ضمنها لبنان، وهذا ما لا يمكن تحقيقه في المدى المنظور بسبب تكدّس الملفات والإستحقاقات وتشعبها على طاولة إدارة بايدن.

أما السيناريو الثالث، فهو أن يحتفظ الحريري بورقة التكليف حتى إشعار آخر كوسيلة ضغط على خصومه في بعبدا للرضوخ لشروطه في التأليف، سيما وأن الدستور لم يحدد مهلة قانونية للرئيس المكلّف بتأليف الحكومة.

محمد حمية

 

 

 

 

اظهر المزيد

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: