
على مدار الأشهر العشرين الماضية، وهي عمر تسلُّم «هيئة تحرير الشام» مقاليد الحُكم في سوريا، شهدت البلاد، ولا تزال، تنافساً اقتصادياً تركياً – سعودياً غير مُعلن، تجلّت ملامحه في الزيارات المتلاحقة للوفود الاقتصادية المتبادلة، ومذكّرات التفاهم والعقود الموقّعة. وفيما يبدو أن الإدارة الجديدة تحاول إيجاد نوع من التوازن الضابط لعلاقاتها الاقتصادية مع الدولتَين، واستثماره في إطار سعيها إلى توطيد مشروعيتها الخارجية من جهة، واستقطاب استثمارات أجنبية من جهة أخرى، تظلّ ثمّة عوامل غالبة، متحكّمة بمسار هذه العلاقات ونوعيتها وحجمها. ويأتي في مقدّمة تلك العوامل، الرصيد السياسي والاجتماعي للدولتَين في دوائر السلطة الجديدة، والتوجّهات الشخصية للمؤثّرين في صناعة القرار الحكومي، إضافة إلى منهج علاقات الضرورة الذي برّرت من خلاله دمشق استمرار صِلاتها مع بعض حلفاء النظام السابق.
تُظهِر عملية تتبّع مسار التعاون مع الدولتَين المذكورتَين، خلال الفترة المُشار إليها آنفاً، وجود شبه تقارب في حجم حضورهما الاقتصادي والفني، والذي يمكن التعبير عنه بعدد مذكّرات التفاهم واتفاقيات التعاون والعقود الاستثمارية. إلّا أن تحليل تركيبة هذا الحضور وغاياته وقطاعاته يكشف عن وجود تنافس «خفي» بينهما، وهو استنتاج تعزّز مصداقيته مواقف دول أخرى اتّسمت بالحذر من الانفتاح الاقتصادي السريع على سوريا. فباستثناء الحضور الواسع والكبير لـ«مجموعة الخياط» القطرية، بتسميات شركاتها المختلفة، في قطاعَي النفط والكهرباء، والذي يجري بمباركة ومشاركة أميركيتَين، فإن المذكّرات والاتفاقيات والعقود الموقّعة مع كلّ من الرياض وأنقرة، تشكّل نحو ثلثَي ما أبرمته الحكومة الانتقالية منذ بداية العام الماضي وحتى أيلول الحالي.
التمويل السعودي
شكّل التعاون الاقتصادي مصلحة مشتركة لكلّ من الرياض ودمشق؛ فالأولى ترغب في ملء الفراغ الذي أحدثه الانسحاب الإيراني العسكري والسياسي والاقتصادي بعيد سقوط النظام السابق، والذي ترى أنه يمكن أن يفضي إلى توسّع حجم النفوذ التركي في البلاد المدمّرة، ما لم يكن ثمّة حضور عربي موازٍ له. وأمّا الثانية، فيهمّها كسب ودّ المملكة بثقلها العربي والإسلامي، بما يساعدها في ترسيخ دعائم سلطتها الانتقالية من جهة، والتعامل مع تحدّيات المرحلة المقبلة، والتي من أبرزها ملفّان: أمني واقتصادي، من جهة أخرى. ومن هذا المنظور، أمكن تفسير مساعي وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، لدى إدارة دونالد ترامب لرفع العقوبات عن سوريا، ومن ثمّ المساعدات التي قُدّمت إلى جهاز الأمن العام وحرس الحدود، والمنحة النفطية البالغة 1.65 مليون برميل في العام الماضي، وغيرها.
في الإطار نفسه، سُجّلت في الأشهر القليلة الماضية، بحسب إحصاء أجرته «الأخبار»، نحو 24 واقعة أو اجتماعاً أو مناسبة جرى فيها التوقيع على نحو 67 مذكّرة تفاهم، وقرابة 12 اتفاقية تعاون. ومن بين تلك الوقائع، خمسٌ شهدت إمضاء أكثر من وثيقة؛ فمثلاً في تموز من العام الماضي، وعلى هامش اجتماعات «المنتدى الاستثماري السوري – السعودي»، أُعلن التوصّل إلى نحو 47 مذكّرة بين الجانبَين، بقيمة إجمالية تصل إلى 6 مليارات دولار – إنّما من دون توفّر تفاصيل كافية عنها -. كذلك الأمر في آب من العام الماضي، حيث أُبرمت اتفاقية واحدة وستّ مذكّرات في مجال مشاريع الكهرباء ومحطّات النقل والتوزيع، والمسوحات الجيوفيزيائية والجيولوجية، وخدمات الحقول البترولية، وحفر الآبار وصيانتها، والتدريب الفنّي وتطوير الأيدي العاملة، وتقديم الحلول المتكاملة لتطوير حقول النفط والغاز وإدارتها.
عموماً، يُلاحظ أن معظم الاتفاقيات والمذكّرات والعقود الموقّعة مع الرياض هي ذات طابع تمويلي واستثماري، بدليل تركّزها في مجالات تتطلّب استثمارات ليست بالقليلة، كالنفط والغاز والعقارات والنقل والطيران والصناعة والزراعة والاتصالات والتحوّل الرقمي. لكن هذا لا يعني أن العلاقة السعودية بقيت محصورة في الاستثمار الخاص فقط؛ إذ تمّ تسجيل دخول مباشر لبعض الوزارات والهيئات السعودية في قطاعات البنية التحتية والخدمات العامّة السورية، وهو ما تؤكّده الحزمة الموقَّعة في شباط الماضي. وعلى الرغم من ما تَقدّم، فإن الانفتاح، الذي يجري تشجيعه سياسياً، لا يزال حذراً أو متأنّياً، ولا سيما في مجال المشروعات الاستثمارية ذات الكلف المالية العالية، والتي لا يمكن للاكتتابات المحلّية أن توفّر لها التمويل اللازم، وذلك بخلاف بعض الشركات والمؤسّسات الحكومية التي دخلت ميدان تنفيذ بعض العقود الموقَّعة مع نظيراتها السورية – من مثل صفقة عدّادات المياه -، أو باشرت تحويل عدد من مذكّرات التفاهم إلى عقود تنفيذية.
كما كان مُنتظَراً، حظي التعاون الاقتصادي والفنّي مع أنقرة بأولوية خاصة لدى دمشق
الخبرة الفنّية التركية
كما كان مُنتظَراً، حظي التعاون الاقتصادي والفنّي مع أنقرة بأولوية خاصة لدى دمشق، وهذا ربّما ما يفسّر تعدّد قطاعاته. فإضافة إلى القطاعات الأساسية التي تواجدت فيها الرياض والدوحة وغيرهما، حضرت أنقرة بقوة في مجالَي الدفاع والأمن والتعليم العالي. وسبقتها في ذلك المنتجات السلعية التي غزت الأسواق السورية منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السابق، تهريباً واستيراداً. وبحسب تقديرات أوّلية، حُصرت نحو 22 واقعة، تمّ فيها الإعلان عن توقيع نحو 9 اتفاقيات تعاون، ونحو 18 مذكّرة تفاهم، وبرتوكول تعاون واحد، وعقد نهائي واحد. كما سُجّلت واقعة واحدة في آب من العام الماضي، وُقّعت خلالها 10 مذكّرات، بحسب ما نشرته «وكالة الأنباء السورية» (فيما تحدّثت المصادر الإعلامية التركية عن التوقيع على 18 مذكّرة).
تغطّي تلك الوثائق مجالات أو قطاعات رئيسة كثيرة، أبرزها: الطاقة، النقل، الزراعة، الإدارة المحلّية، الصحة، التعليم العالي، الدفاع، الصناعة، وغيرها؛ الأمر الذي يؤشّر إلى حجم الانتشار التركي الجاري حالياً، والذي يأخذ سِمة الشريك المؤسّساتي والتقني والفنّي، أكثر من اكتسابه طابع الشريك الاستثماري والتمويلي. وهذا ما يثير مخاوف كثير من الاقتصاديين السوريين، لسببَين: الأوّل أن التعاون مع أنقرة سيتيح لها جمع معلومات واسعة عن عمل المؤسّسات السورية – وربّما الاحتفاظ أيضاً بنسخة خاصة من أرشيفها بحجة أعمال الأتمتة والرقمنة وما إلى ذلك -، فضلاً عن أن ثمّة مخاوف أصلاً من تزايد النفوذ التركي في مواقع صناعة القرار، بالنظر إلى أن كثيراً من شخصيات الإدارة الجديدة عاشوا لسنوات طويلة في تركيا، وبعضهم يحمل جنسيّتها.
وأمّا السبب الثاني، فيعود إلى التجربة المريرة للانفتاح الواسع وغير المضبوط على تركيا قبل سنوات الحرب، والذي أسهم في إقفال أبواب آلاف المنشآت والورش الصناعية والحرفية، في حين أن فائدته كانت تصبّ دوماً في صالح الجانب التركي. فمثلاً، لا يُعرف إلى اليوم سبب إعفاء الشاحنات التركية من رسوم الترانزيت أثناء عبورها الأراضي السورية، ونادراً كذلك ما يتذكّر السوريون استثماراً تركياً ضخماً، كما هو حال الاستثمارات الخليجية. وإذا كانت المرحلة الجديدة قد شهدت شراكة تركية – قطرية – أميركية لتطوير مطار دمشق الدولي وتوسيعه بقيمة تصل إلى نحو 4 مليارات دولار، فإن ذلك يبدو أنه لن يتكرّر في قطاعات أخرى بالحجم ذاته من التمويل.
لا اطمئنان
ليس مُستبعداً أن يتمّ الإعلان مستقبلاً عن استثمار سعودي – تركي مشترك في سوريا، لكن ذلك لن يعني أن كلّ طرف سيكون مطمئنّاً إلى «تمدّد» الطرف الآخر، وذلك أيّاً كانت إشارات الحكومة الانتقالية السورية إلى حرصها على بناء علاقات أفضل مع محيطها العربي والإقليمي. فالرياض تتذكّر دوماً أن أنقرة نجحت سابقاً في استمالة النظام السابق – قبل عام 2011 – من بوابة الاقتصاد، وعلى حساب علاقاته العربية. فكيف الآن مع وصول شخصيات كثيرة محسوبة على النظام التركي إلى مواقع صناعة القرار في سوريا، ومواقف بعض رجال الدين المؤيّدين للعلاقة بتركيا من منطلق رابطة الإسلام؟ أمّا هذه الأخيرة، فإن هاجسها الأساس يتأتّى من تفوّق الإمكانات والقدرات التمويلية السعودية الكبيرة، التي تحتاج إليها دمشق بشدّة إلى الحدّ من تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد. هذا فضلاً عن أن الحضور السعودي يحظى برضى شعبي واسع لاعتبارات قومية ودينية، بينما يواجه نظيره التركي نفوراً متزايداً لدى شرائح اجتماعية متعدّدة، ويذهب البعض إلى ربطه بنوايا غير بريئة، خاصة أن القوات التركية دخلت الأراضي السورية قبل عدّة سنوات، ولا تزال إلى الآن تسيطر على شريط واسع في الشمال.



