
تتجدد فصول القلق مع تسجيل حالات تسمم غذائي وشبهات مخالفات وغش في بعض المؤسسات الغذائية في لبنان، لتعيد هذه الوقائع ملف سلامة الغذاء إلى واجهة الاهتمام الحكومي، وتدفع إلى تحرك عاجل برئاسة رئيس مجلس الوزراء، بمشاركة الوزراء والجهات الرقابية والقضائية المعنية.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد حوادث عابرة، بل جرس إنذار يستوجب مراجعة جدية لواقع الرقابة الغذائية ومدى الالتزام بالمعايير الصحية. فسلامة الغذاء ليست ترفاً ولا إجراءً إدارياً، بل حق أساسي للمواطن ومسؤولية لا تحتمل التهاون.
ومن هنا، تبرز ضرورة تفعيل قانون سلامة الغذاء رقم 35 لعام 2015، وتطبيقه بحزم، مع تفعيل دور الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، وتعزيز التنسيق بين وزارات الصحة والاقتصاد والزراعة والسياحة، وسائر الأجهزة المعنية، لضمان رقابة مستمرة لا تقتصر على حملات موسمية أو تحركات مرتبطة بوقوع الحوادث.
ولا تكتمل هذه المنظومة من دون إخضاع المؤسسات الغذائية لأنظمة إدارة سلامة الغذاء، وفي مقدمتها نظام تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة (HACCP)، مع تدريب العاملين وتوثيق كفاءاتهم، وإجراء الفحوص المخبرية الدورية، وضبط درجات الحرارة وسلسلة التبريد، والفصل بين الأغذية النيئة والجاهزة للاستهلاك، والالتزام ببرامج التنظيف والتعقيم ومكافحة الآفات من خلال جهات مرخصة ومتخصصة.
والأهم أن الرقابة يجب أن تشمل سلسلة الغذاء بأكملها، من المزارع والمسالخ والمستوردين إلى المستودعات والنقل والتوزيع، وصولاً إلى المطاعم ونقاط البيع. كما ينبغي اعتماد نظام واضح لتتبع مصادر المواد الغذائية، بما يسمح بتحديد مصدر التلوث وسحب المنتجات غير الآمنة من التداول بسرعة، قبل أن تتفاقم الأضرار.
أما التدريب والشهادات المهنية، فينبغي ألا يتحولا إلى أوراق شكلية أو وسيلة تجارية، بل إلى دليل على كفاءة العاملين والتزام المؤسسات بتطبيق إجراءات السلامة فعلياً، تحت إشراف ورقابة الجهات الرسمية المختصة.
وحين يتعلق الأمر بصحة الناس وأرواحهم، تصبح المحاسبة ضرورة لا تقبل التأجيل. فالعقوبات يجب أن تكون متناسبة مع جسامة المخالفات، وأن تشمل الغرامات الرادعة والإغلاق الفوري عند وجود خطر صحي، وصولاً إلى سحب التراخيص عند توافر موجباته القانونية، مع إحالة المخالفات التي تنطوي على جرائم إلى القضاء المختص. فلا يجوز أن تتحول الغرامات البسيطة إلى مجرد تكلفة إضافية يتحملها صاحب المؤسسة مقابل الاستمرار في المخالفة.
إن استعادة ثقة المواطن بالغذاء الذي يستهلكه لا تتحقق بالتصريحات والاجتماعات وحدها، بل برقابة فعلية وشفافة، ومحاسبة عادلة، وإعلان نتائج الفحوص والإجراءات المتخذة، دون تهاون أو استثناء.
فالغذاء الآمن ليس امتيازاً، بل حق من حقوق الإنسان، وحماية صحة الناس ليست مجالاً للمساومة أو التجربة.



