
بعد مرور قرابة عامَين على وصول «هيئة تحرير الشام» إلى الحكم في دمشق وسقوط النظام السابق، تبدو العملية الانتقالية مجمّدة، في ظلّ السعي الحثيث من جانب الهيئة، وتحديداً تنظيم «جبهة النصرة» داخلها، إلى الإمساك بمختلف مقاليد الحكم، وتجميد عمل مجلس الشعب الحالي المنتقى أصلاً من قبل السلطة الحالية، وتشكيل جسم موازٍ لجسم الحكومة الانتقالية وتوسيعه إلى مختلف ميادين حياة السوريين. ورغم الضغوط الغربية والعربية لتفكيك «الفصائلية» في القوات المسلحة وفي مؤسسات الدولة المفترضة، إلا أن التعديلات الأخيرة التي أجراها الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، إن كان على صعيد الحكومة في نهاية أيار الماضي أو على صعيد الإدارات الأخرى في تشرين الأول الحالي، لا سيّما في «الشركة السورية للبترول» و«الصندوق السيادي»، تعيد تقييد الوزارات والمؤسسات بـ«جبهة النصرة» و«هيئة تحرير الشام» بيد من حديد، وذلك بعد تجربة عام وربع العام على تشكيل الحكومة الجديدة، والتي استرضت الهيئة ببعض أسمائها، رعاتها من الغربيين والعرب.
وتقول مصادر غربيّة مطّلعة على قراءة دمشق لمسار التجربة منذ تشكيل الحكومة في آذار 2025، إن قيادات «تحرير الشام» و«جبهة النصرة» تعيد الفشل الإداري الحالي والأزمات الداخلية المتلاحقة، إلى ضعف سيطرة الجبهة على المؤسسات والوزارات، ودخول عناصر خارجية غير خاضعة لسلطتها ولا تستخدم أساليبها في الإدارة. وعليه، لا بدّ من الارتداد عن طريقة الإدارة في المرحلة الماضية، والعودة إلى تجربة الأشهر الأولى التي تلت سقوط النظام، حيث تولّى أمراء من الهيئة و«النصرة» وضع اليد على الإدارات، على غرار نموذج حكم «تحرير الشام» لمدينة إدلب وقراها بين سنوات 2018 و2024. ويأخذ هؤلاء من تجربة وزارات الداخلية والخارجية والدفاع نماذج للدراسة. إذ يعود سبب «نجاح» وزارة الداخلية والوزير أنس خطاب، برأي قيادات بارزة في مجلس شورى الهيئة، إلى أن وزارة الداخلية بكاملها تدار من قبل كوادر «تحرير الشام» مباشرة مع نفوذ كبير لـ«النصرة» وتمويل خاص من مصادر الجبهة، بينما تعود «إخفاقات» وزارة الخارجية والوزير أسعد الشيباني، إلى وجود عناصر خارجية كموظفين من طاقم وزارة الخارجية السابقة من مختلف الطوائف والمذاهب ومن المغتربين، مع حضور خفيف للهيئة و«النصرة». أما إخفاقات وزارة الدفاع، فسببها وجود فصائل متعدّدة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى وزارات أخرى، مثل وزارة الزراعة التي تولّاها أمجد بدر حتى 9 أيار الماضي، قبل أن يتمّ تعيين باسل سويدان والمعروف باسم «أبو حمزة قاسيون» في «تحرير الشام» مكانه، والشؤون الاجتماعية والعمل التي تتولّاها الوزيرة هند قبوات ويعترض على وجودها أمراء الهيئة والجبهة، فيما الشرع يخشى حتى الآن من الارتدادات السلبية غربياً لإزاحتها من المشهد. وبالنسبة إلى وزارة الثقافة، فتعترض الهيئة على الكثير من قرارات وزيرها الحالي محمد ياسين صالح، الذي ظهرت أنباء عن تقديم استقالته أكثر من مرة، إلا أنه لا يزال يحظى بغطاء قطري، ما يؤخّر خطة الجبهة لإخراجه من المشهد وإحكام سيطرتها على وزارة الثقافة.
وتستمدّ «تحرير الشام» حالياً قوتها المالية من الصندوق السيادي، الذي عاد ليكون تحت الأضواء مؤخّراً، بعد قرار أستراليا تجديد العقوبات على المواطن اللبناني ـ الأسترالي إبراهيم سكرية المعروف بأبو مريم الاسترالي، والذي كان يتولّى إدارة الصندوق، قبل أن يصدر الشرع مرسوماً بتعيين مستشاره الاقتصادي، عمر سامر الحلبي رئيساً لمجلس الإدارة، كواجهة رسمية -مع تأكيد مصادر غربيّة وعربيّة استمرار وجود سكرية من خلف الستار-. وتقول المصادر إن «تحرير الشام»، وبشكل رئيس «النصرة»، تدفع رواتب لعناصرها وأمرائها في الجيش والقوات الأمنية، مختلفة عن ما تتقاضاه بقية العناصر الجدد أو التابعين لفصائل أخرى، مع وجود هويات وبطاقات خاصة بمنتسبي الهيئة. كما أنها توزّع الأمراء على مختلف الإدارات وتدفع لهم من موازنتها الخاصة من «الصندوق السيادي» وليس من الموازنة العامة، وإن غالبية الأموال التي حصل عليها النظام الحالي إن كان عبر الدعم المالي المباشر أو من أموال التسويات مع رجال النظام السابق، جرى إدخالها في «السيادي» وليس عبر وزارة المالية. وتتحدّث المصادر كذلك عن هيمنة «تحرير الشام» على المصرف المركزي، ووجود أمير تابع لـ«النصرة» في داخل المصرف، مهمّته وضع مجلس شورى الهيئة في صورة خطوات المصرف وقراراته مباشرة للموافقة عليها أو وقفها. كما أن كوادر «الأمانة العامة للشؤون السياسية» التي كانت تتبع لوزارة الخارجية وجرى حلّها في أيار الماضي، تم توزيع كوادرها على مختلف الإدارات والوزارات والمحافظات في سياق تعزيز أكبر لحضور «تحرير الشام».
وتخشى المصادر الغربية من أن تكون قرارات «تحرير الشام» الجديدة بمثابة انقلاب على وعودها بتفكيك الفصائلية تدريجياً، وأن تعني تغلغل الهيئة في الإدارات وربطها بالجسم السياسي على غرار ما كان يحصل أيام النظام السابق، عبر وجود «حزب البعث الاشتراكي»، لكن هذه المرة من دون توجّه إيديولوجي واضح. إذ إن الهيئة افترقت عن «تنظيم القاعدة» وتحاول أن تبتعد شكلياً عن شعاراته، لكنها تستمر في إدارة ست مدارس للطلاب بمنهاج إسلامي متشدد ومدرسة لتخريج الكوادر، وتفرض شيئاً فشيئاً تغييرات عميقة في المنهاج التعليمي والجامعي السوري، فيما لم تنجح في تشكيل شعارات وطنية سورية محليّة تجمع السوريين. وممّا لا شكّ فيه، أن هذه التطورات، تعيد شبح العقوبات الدولية، رغم رفع العقوبات الأميركية عن سورية. إذ إن التدقيق في القطاع المصرفي ازداد أميركياً في الآونة الأخيرة، وذلك بسبب شكوك باستغلال شبكات من «النصرة» وتنظيمات جهادية أخرى للانفتاح المصرفي على دمشق، فيما استمر الحذر الأوروبي والعربي في التعامل مع المصارف السورية.



