مجتمعملفات ساخنة

الثقب الأسود في دمشق: الشلل المالي وفساد المحسوبيات يعصفان بالمشهد السوري

تتكشف يومياً أبعاد الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها العاصمة السورية، مع تحول مؤسسات الدولة المفترضة إلى ثقب أسود يبتلع الموارد وينتج الشلل؛ ففي شهادة صادمة خرجت من داخل البيت التجريبي للإدارة الجديدة، رسم صالح الحموي، القيادي المنشق عن التنظيم ومؤسس صفحة “أس الصراع في الشام”، صورة قاتمة للواقع المالي، كاشفاً عن استنزاف كامل للاقتصاد وتبدد صارخ للوعود التنموية التي طالما رُوِّج لها بعد أواخر عام 2024.

من خلال قراءة متأنية للمعطيات الميدانية والمالية يظهر أن العجز لم يعد مجرد أرقام في ميزانيات، بل أصلٌ بنظيرٍ مستفحل من الفساد والمحسوبية. فقد اضطر أحمد الشرع إلى سحب الأموال المستورة والمخبأة في إدلب لتمويل الحكومة وسد العجز القائم، بل وحتى لتغطية تكاليف سفره الأخيرة إلى نيويورك. يأتي هذا الاستنزاف في وقت توقفت فيه كافة المشاريع الموقعة مع دول خليجية، وسُحبت الاستثمارات الخارجية بالكامل من البلاد، في حين انخفضت وتيرة العمل في المشاريع الداخلية بنسبة بلغت 80%، وتوقف معظمها الآخر تماماً.

ولعل نموذج شركة “الراقي” المملوكة لمحافظ الرقة إبراهيم سلامة، والتي يملك فيها الشيباني حصة رئيسية، يلخص آليات نهب المال العام؛ حيث حازت الشركة على عقد تعبيد طرق في إدلب بقيمة 12 مليون دولار دون خوض أي مناقصة قانونية، في استغلال صريح للنفوذ. والنتيجة اليوم هي انكماش آليات العمل في المشروع من 40 آلة إلى 5 آليات فقط، وهو نمط ينطبق على معظم العقود والمشاريع الحكومية المسندة للمقربين.

كذلك ولم تسلم المؤسسات الأمنية والعسكرية ذاتها من هذا التدهور؛ إذ تراكمت ديون وزارة الدفاع لصالح تجار محليين وللأمور اللوجستية لتصل إلى 200 مليون دولار، مع تأخر سداد الفواتير لفترات تجاوزت ستة أشهر. يوازي ذلك عجز حاد عن دفع المستحقات المالية، حيث لم يتسلم نصف عناصر وزارة الدفاع وثلث عناصر وزارة الداخلية رواتبهم عن الشهر الثامن، بينما يستمر انقطاع رواتب الكوادر التعليمية منذ الشهر الخامس، مما يضع القطاعات الخدمية والحيوية على شفا الانهيار الكامل.

وفي مقابل تحذيرات وزارة المالية للشرع بأن سياسات التقشف والحد من الفساد لن تكفل سوى دفع رواتب أشهر معدودة حتى منتصف كانون الأول المقبل، تتجلى الفجوة الهائلة بين معيشة المواطن وسلوك القيادة؛ إذ لم يتردد محافظ دمشق في تسيير رتل ضخم من عشر سيارات لمجرد زيارة استطلاعية لمنطقة القابون المدمرة. وفي السياق ذاته، تحولت شركات التطوير العقاري إلى أداة لاستنزاف المواطنين وسحب العملة الصعبة؛ حيث تمنح وزارة الإسكان الأراضي مجاناً لهذه الشركات، لتقوم الأخيرة بجمع نصف قيمة الشقق من المكتتبين وتقاسم الأرباح مع النافذين دون تقديم استثمار حقيقي ينعكس على الاقتصاد المحلي.

هذه الحالة من الفوضى المالية تنعكس  على البيئة السياسية أيضاً، حيث يُجابه أي صوت ناقد بالقمع والتخوين. وقد تجلى ذلك في استهداف ماجد المالكي واتهامه بإطلاق الشائعات والتبعية للفلول، لمجرد نشره معلومات تفيد بسحب مستثمر سعودي لجميع استثماراته من هيئة الاستثمار السورية وإغلاق أعماله.

تضع هذه الوقائع السوريين أمام شتاء هو الأقسى على الإطلاق، حيث تفتقر الأسر لأدنى مقومات التدفئة والعيش الكريم، في وقت ينعم فيه الشرع والشيباني وأنس خطاب وبقية الدائرة المقربة بالدفء والرفاهية داخل القصور والمباني الفارهة، مما يؤكد أن المنظومة القائمة في دمشق باتت عاجزة عن إدارة دولة، وتستمر فقط عبر امتصاص ما تبقى من رماد الاقتصاد السوري.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى