أحوال الموحديناقتصاد

عنب السويداء.. رحلة الفلاح بين التكاليف والتصريف

المصدر: شبكة الراصد

تُعدّ الكرمة إحدى أهم الزراعات في السويداء وريفها، عدا عن مشتقاتها كمادتي “الدبس” و”الزبيب” اللتين ارتبطتا بهوية السويداء وإرثها. غير أنها تواجه اليوم تحديات مركبة فرضتها ظروف اقتصادية ومناخية تهدد استمرارية الإنتاج، لا سيما بعد أن قفزت تكلفة إنتاج الدونم الواحد إلى ما بين 2.5 و3.5 مليون ليرة سورية سنوياً، وفق تقديرات ميدانية من أصحاب المواسم.

أحد مزارعي العنب في السويداء قال لـ #الراصد: “المحصول يتراجع عاماً بعد عام بفعل قسوة المناخ وارتفاع تكاليف الإنتاج؛ إذ تحتاج الأرض إلى ثلاثة دورات حراثة سنوياً على الأقل، بتكلفة تتراوح بين 200 و250 ألف ليرة للدونم الواحد في ظل شح المازوت وغلاء سعره، إضافة إلى فاتورة لا تقل عن نصف مليون ليرة للمبيدات لحماية الكروم من الأمراض الفطرية والحشرية الفتاكة، كالبياض الدقيق وحشرة الفيلوكسيرا، فضلاً عن أجور اليد العاملة في التقليم والقطاف، والتي لا تقل عن 100 إلى 150 ألف ليرة لليوم الواحد”.

تضع هذه الأرقام الفلاح أمام معادلة خاسرة عند البيع؛ فالدونم الذي يبلغ إنتاجه في الظروف المستقرة بين 800 و1200 كيلوغرام، ويُباع كيلوغرام “عنب العصير” منه بمتوسط 3500 إلى 4000 ليرة، بات عاجزاً عن تغطية نفقاته الأساسية، ما ينذر بتآكل متواصل في رأس مال المزارعين.

ولا تقف المعاناة عند حدود التكلفة، إذ يشير المزارعون إلى أثر التقلبات المناخية الحادة، كموجات الصقيع الربيعي المتأخر التي تضرب النموات الحديثة، وموجات الجفاف الصيفية، أو عواصف البَرَد المباغتة التي تتلف العناقيد وتشوه قيمتها التسويقية، يُضاف إلى ذلك انتشار مبيدات وأدوية مغشوشة في الأسواق تستنزف الجيوب بكثرة الرش دون جدوى وقائية.

وتكمن العقدة الأكبر وفق جولة ميدانية أجراها #الراصد في غياب قنوات تصريف منصفة، حيث تنحصر الخيارات التسويقية المتاحة في ثلاثة مسارات أولها الشركة السورية للتصنيع الزراعي (معمل عصير السويداء): يعتمد أسعاراً تأشيرية متدنية، وتتأخر فيه عمليات صرف مستحقات الفلاحين لشهور، ما يفقدها قيمتها الفعلية جراء التضخم.

ثم أسواق الهال والوسطاء حيث يتحكم التجار بمفاصل الأسعار فارضين هوامش ربح ضئيلة على الفلاح، مستغلين سرعة تلف المحصول وصعوبة تخزينه أو المماطلة في بيعه.
والقناة الثالثة هي التصنيع المنزلي التقليدي (الدبس والزبيب) والذي يعد الخيار الشائع. لكنه يصطدم بعوائق فنية ولوجستية؛ فالأصناف رقيقة القشرة ومرتفعة الرطوبة لا تصلح للتجفيف لسرعة تعفنها، بينما الأصناف مرتفعة الحموضة والناقصة الحلاوة تعطي دبساً داكناً يميل للمرارة، فضلاً عن حاجة عملية الطبخ لكميات ضخمة من الوقود وسط شح الغاز وارتفاع أسعار الحطب.

إن واقع زراعة العنب في السويداء يدق ناقوس الخطر، مؤكداً أن الحلول الفردية لم تعد كافية؛ فبين غياب السعر العادل وتراجع جدوى التصنيع المنزلي، يظل الفلاح هو الحلقة الأضعف، ما يستوجب تدخلاً رسمياً عاجلاً يبدأ بضبط أسواق المستلزمات وتأمين المحروقات، وينتهي بفرض تسعيرة مجزية تحمي المحصول. فهل تلقى استغاثات المزارعين مجيباً، قبل أن تتحول هذه الكروم إلى مساحات مهجورة؟

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى