من محمد الفاتح إلى أردوغان.. “السلطان” الذي انتظر انشغال الإمبراطوريات
إعداد أحوال ميديا

لم يكن محمد الفاتح أمام جبهة أوروبية موحّدة عندما حاصر القسطنطينية عام 1453. كان يعرف أن سر الانتصار ليس في مواجهة الجميع دفعة واحدة، بل في استثمار انقساماتهم وانتظار اللحظة التي تصبح فيها الإمبراطوريات مشغولة بمعاركها. وحين جاءت اللحظة، ضرب الفاتح وأسقط القسطنطينية.
اليوم، يبدو أن رجب طيب أردوغان يقرأ المنطقة بالمنطق ذاته.
ليست المسألة أن أردوغان يريد إعادة الدولة العثمانية بحذافيرها، فذلك تبسيط للتاريخ والسياسة. لكن ما يلفت النظر هو سعي تركيا إلى بناء مجال نفوذ يتجاوز حدودها: تدخل عسكري في سوريا، حضور متقدم في ليبيا، تمدد سياسي واقتصادي في لبنان، ونفوذ متزايد في شرق المتوسط. وقد وثقت رويترز أن تركيا استخدمت القوة العسكرية في سوريا وليبيا وغيرها من الساحات لتوسيع نفوذها الإقليمي.
وفي سوريا تحديداً، لم تعد أنقرة مجرد دولة حدودية قلقة من الأمن؛ بل أصبحت من أبرز الداعمين للسلطة الجديدة، وتعمل على دعم مؤسساتها العسكرية والأمنية، فيما تؤكد أن وجودها العسكري سيستمر حتى زوال مخاوفها الأمنية.
وهنا تظهر نظرية «الفاتح الجديد»: أردوغان لم ينتظر سقوط خصومه، بل انتظر انشغالهم.
روسيا غارقة في حرب أوكرانيا، والولايات المتحدة وإسرائيل منشغلتان بالمواجهة مع إيران، والشرق الأوسط يعيش واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل موازين القوى منذ عقود. وفي مثل هذه الفوضى، يصبح الفراغ فرصة لقوة إقليمية تريد أن تملأه.
لكن اللعبة بدأت تُكشف.
إسرائيل لم تعد تنظر إلى التمدد التركي في سوريا باعتباره نفوذاً سياسياً فحسب. ففي أغسطس، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور السورية بعدما قالت إن دمشق كانت على وشك السماح بانتشار قوات تركية فيها، فيما حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي أردوغان من «مغامرات خطيرة» في سوريا.
والأخطر أن واشنطن اضطرت إلى التحرك لإنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، بعدما حذرت من أن التصعيد كان يمكن أن يتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
أما روسيا، فلا تبدو مستعدة لتقديم مظلة مفتوحة لأنقرة، خصوصاً أن موسكو نفسها تخوض حرباً طويلة في أوكرانيا، بينما تحاول تركيا في الوقت ذاته الموازنة بين روسيا والغرب، وصولاً إلى بحثها تعميق علاقتها بمنظمة شنغهاي مع تأكيدها استمرارها داخل الناتو.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية.
محمد الفاتح نجح لأن خصومه لم يتحدوا ضده في الوقت المناسب. أما أردوغان، فقد تكون مشكلته أن تمدده بدأ يدفع خصومه إلى اكتشاف اللعبة نفسها.
فإذا كان الفاتح قد انتظر انشغال الإمبراطوريات ليسقط القسطنطينية، فإن أردوغان ينتظر اليوم انشغالها ليعيد رسم خريطة النفوذ.
لكن التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة وقد تكون المعركة المقبلة ليست معركة أردوغان لاحتلال أرض جديدة، بل معركته الأصعب: كيف يبني نفوذاً بحجم إمبراطورية من دون أن يدفع إسرائيل وروسيا وأميركا والقوى الإقليمية إلى تشكيل جبهة واحدة لإيقافه؟
وهنا تحديداً ستظهر حقيقة أردوغان: هل هو محمد الفاتح الجديد، أم أن العالم الحديث لن يسمح له بتكرار فتح القسطنطينية؟



