
الحرب في الشرق الاوسط التي بدأتها اميركا واسرائيل على ايران ومن ثم امتد لهيبها الى كل دول الجوار، اظهرت ان لا خطوط حمراء ثابتة بل متحركة ومتنقلة وفقا لحاجات الدول المتورطة بالحرب في منطقتنا. وفي هذا السياق، اضحى واضحا ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يسعى جاهدا لالحاق خسائر فادحة بايران عبر الحصار الاقتصادي او القصف الصاروخي والجوي غير انه لا يريد التدخل البري لانه يدرك ان هذا القرار سيأتي على نهايته حيث ان سقوط على سبيل المثال 4 جنود اميركيين في القتال البري ضد الجيش الايراني سيكون له نتائج كارثية لدى الرأي العام الاميركي وبطبيعة الحال على ترامب.
وعليه، يكثف ترامب كل وسائل الضغط وابرزها العقوبات على ايران وسياسة المنبوذ الاقتصادي لاضعاف الجمهورية الايرانية الاسلامية ودفعها الى طاولة المفاوضات حيث تكون في موقع ضعيف لا يمكنها ان ترفع سقف مطالبها. ولكن الصين رفضت الضغط الاميركي ولم تلتزم بعقوبات الخزانة الاميركية المفروضة على طهران وغيرها من عقوبات وهذا الامر يشكل موقفا صينيا استراتيجيا له انعكاسات مختلفة على مجرى الامور في المنطقة.
اما في لبنان، يقول خبير سياسي رفيع المستوى للديار ان من يراقب يرى ان هناك حالة من القبول والقناعة حول ما يفعله الجيش الاسرائيلي في الجنوب من تدمير وجرف وقصف مستمر هو مغطى دوليا.
ذلك ان الجميع يتحدث عن خط احمر يردع اسرائيل في لبنان لا يمكن ان تتجاوزه غير ان جيش العدو الاسرائيلي اعلن في بدء الامر انه سيطال القرى الحدودية في حين ان اليوم نرى انه وصل بقصفه وعدوانه الى النبطية. اما اللافت انه رغم الدمار الذي ينفذه جيش الاحتلال في الجنوب، الا ان وتيرة القصف انخفضت بشكل كبير وذلك نتيجة سياسة الاستنزاف الذي اصابت هذا الجيش عبر وقوعه بعدة كمائن وخسارته لعدد من جنوده. وهنا، الثمن البشري لدى نتنياهو او اي مسؤول اسرائيلي يعتبر من الامور الجوهرية في اي خطة اسرائيلية.
مصدر اوروبي: لا قرار باشعال الحرب مجددا
وتعقيبا على الاحتمالات الماثلة امام هذه المنطقة الملتهبة، اعتبر مصدر اوروبي مطلع ان الوضع الاميركي-الايراني ينحدر الى الاسوأ اما هل يصل الى الهاوية الاخيرة، فقد استبعد المصدر الاوروبي هذا الامر رابطا ذلك بالاثمان الكبيرة التي تنتج عن الانفجار الكبير ومشيرا الى ان لا واشنطن ولا طهران تقضي مصلحتهما بتدهور الاحوال الى هذا الدرك.
مفاوضات في فخ الوقت الضائع وغضب فرنسي
الى ذلك، اذا كان وزير خارجية مصري سابق قد وصف المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل بالمفاوضات من «المسافة صفر»، ليستدرك «ولكن في زمن بنيامين نتنياهو قد تكون قفزة في الهواء والنتيجة صفر»، فان اجواء «الكيدورسيه» وهي مقر وزارة الخارجية الفرنسية وبحسب الاوساط الاعلامية هناك،تقول «لا تنتظروا شيئا من بنيامين نتنياهو» اضافة الى التحدث عن المسافة الضوئية بين الموقف اللبناني والموقف الاسرائيلي ،اذ ان لبنان في مكان واسرائيل في مكان اخر.
واوساط وزارة الخارجية الفرنسية اياها تتحدث ايضا ليس فقط عن عتب فرنسي بل عن غضب فرنسي بتخلي لبنان عن دور باريس في هذا الوقت الحساس بضغط اميركي واسرائيلي. وتشير الاوساط الى ان باريس وقفت دائما وفي الاوقات الصعبة الى جانب لبنان، كما كانت هي من تحرك العواصم الاوروبية وحتى واشنطن باتجاه الملف اللبناني.
واذا كانت اوساط الخارجية الفرنسية تعتبر ان الرفض الاميركي والاسرائيلي لاي دور ديبلوماسي فرنسي قد حد من تاثير الاليزيه، فهي تلاحظ ان ترامب يبدو قد وضع الملف اللبناني جانبا لينبري الى معالجة ازماته الداخلية والحزبية المتفاقمة تحديدا بعدما اظهر استطلاع لرويترز-ايبسوس ان شعبية ترامب لا تتعدى 33%، وهو رقم قاتل بالنسبة للحزب الجمهوري وايضا للبيت الابيض. هذا الامر يشير الى ان الرئيس الاميركي لم يبذل اي جهد لمساعدة السلطة اللبنانية في المسار الديبلوماسي رغم قيام الرئيس جوزاف عون بتبني خيار الديبلوماسية على خيار الحرب.
نتنياهو نحو التصعيد
حتى الان لا اشارة ايجابية من تل ابيب، لا بل ان رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو يعتبر ان خيار التصعيد هو الورقة الوحيدة في يده للبقاء في السلطة. وبعد ان اقر علنا ان حزب الليكود فقد 10 مقاعد في الكنيست، وهي نسبة مروعة بالنسبة لنتنياهو ساعيا للبحث عن طرق اخرى للتعويض عن خسارته وتأمين نجاحه في اعادة تشكيل ائتلاف يبقيه لاربع سنوات جديدة في رئاسة الحكومة.
وفي كل الاحوال، تبدو اي مفاوضات في هذه المرحلة بالذات، وبعدما تردد ان جولة جديدة قد تعقد في روما في منتصف شهر ايلول اي الشهر الحالي، ستكون جولة شكلية لا تتعدى اللعب في الوقت الضائع. من جهتها، بدا واضحا ان اقصى ما تفعله واشنطن في الاونة الاخيرة هو ابقاء المفاوضات مستمرة، وان كان الوضع يدور حول ذاته.



