صحة

تداعيات سهرة رأس السنة: اللّبنانيون بين المستشفيات والموت

عراجي : 35 مريضًا يدخل العناية الفائقة في اليوم ولبنان يمرّ بمصيبة صحية كبيرة

بعد ليلة رأس السنة الصاخبة، تهافت اللّبنانيون إلى مراكز الاستشفاء في مختلف المناطق اللّبنانية لإجراء فحوصات الـ PCR … هم الذين لم يتنّبهوا أو تناسوا إجراءات الوقاية، على قلّتها، فوَقعوا في المَحظور، و”راحت السكرة وإجت الفَكرة”…

لم يكن أهل م.ر. الصبيّة الممتلئة حياة ونشاطًا، يتوقّعون أنها ستكون نزيلة قسم العناية الفائقة في المستشفى مدّة يومين، قبل أن تعود إلى حَيّها في كسروان مُزدانة بنعش أبيض، تاركة رفيقتيها ن.ف. و ب.ك. في قسم العناية الفائقة في المستشفى نفسها التي خرجت منه جثّة هامدة…

المستشفيات لم تعد قادرة على استيعاب هذا الكَم من المصابين

الجنازة السريعة، التي اقتصرت على وجود عائلتها الصغيرة، والتي اتُخِذت فيها أقصى درجات الوقاية، لم تمنع أمّها من النحيب عليها وكَيل الشتائم لـ سهرة رأس السنة “المشؤومة”، فهي تعتبر أنّ ابنتها “لَقطِت” العدوى عندما تخالطت مع رفاقها في الملهى اللّيلي في تلك الليلة ، وردّدت غير مرّة عبارة: “اترَجّيتها ما تروح عا هالسهرة… ما اقتنعِت منّي”…

حال م.ر. ورفيقتيها انسحبت على مختلف المناطق اللّبنانية، ففي قضاء بشري مثلًا، وفي قرية واحدة أصيب أكثر من 20 شابًا وفتاة بهذا الوباء بعد سهرة رأس السنة، وكانت نتائج الـ PCR صادمة لأهلهم وأقاربهم، ما استدعى حَجرهم واتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر في هذه القرية الشمالية الوادعة، وإجراء أكثر من 100 PCR لأهلها خلال يومين…

وإذا كانت الإصابات تتكرّر في قضاء بشري بعد أسبوع الأعياد، فإنّ الإصابات في عكار وطرابلس هي بالمئات، وتشير مصادر المستشفيات هناك إلى أنّها لم تعد “تُلَحِّق” على إجراء فحوصات الـ PCR، ولم تعد قادرة على استيعاب هذا الكَم من المصابين…

وإذا انتقلنا إلى الأشرفية، قلب بيروت النابض كما يسمّونها، والتي تعجّ بالمطاعم والملاهي الليلية، فقد نالت نصيبها من تفشّي إصابات كورونا بين شبابها وشيبها. فسَارج وميمي ونتالي أخذوا نصيبهم من هذا الوباء المستشري، لا لشيء إلّا لأنهم لم يلتزموا بارتداء الكمّامة والتباعد في ليلة رأس السنة، فبعد أن قضوا “ليلة غير شِكل” في أحد ملاهي الأشرفية، أخذوا يمشون بين شوارعها مُتحَدّين الطقس البارد، ومُرندحين أغنيات رومنسية لعلها تُنسيهم شدّة سُكرهم… لكنهم بعد يومين كانوا في ضيافة أحد مستشفيات بيروت الكبيرة…

وها هو العَم مسعود، أبو جاكو كما يسمّونه في الحي، قد وضع كرتونة على شبّاك شقته كتب عليها بخط واضح “محجور”، مخافة أن يمرّ من أمام شقته أحد، أو أن تخبّط جارته على بابه صباحًا كي تحتسي معه القهوة…

التفلّت في السهرات أدّى إلى نتائج صادمة

ولم يوفّر هذا الوباء بعض الاعلاميين، على الرغم من قوتهم البدنية وزَهوة شبابهم، فقد قرّر إعلاميّ أربعينيّ أن يحجر نفسه مدة 14 يومًا بعيدًا عن عائلتيه الصغيرة والكبيرة، دافعًا ثمن “استِلشاقِه” في سهرة رأس السنة، هو الذي كان “يَعِظ” المواطنين مطوّلًا ويُنبّههم إلى خطورة هذا الوباء الفتّاك…

نائب رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب النائب عاصم عراجي، قال لـ”أحوال” إنّ “التفلّت في السهرات وخلال كل التجمّعات التي حصلت في أسبوعَي الأعياد أدّى إلى هذه النتائج الصادمة… فعندما يدخل 35 مريضًا إلى قسم العناية الفائقة في يوم واحد لإصابتهم بوباء كورونا، فهذا دليل واضح على أنّ لبنان يمرّ بمصيبة صحية كبيرة… كما انّ الاعتقاد الذي ما زال سائدًا إلى الآن لدى الكثير من المواطنين بأنّ كورونا هو مؤامرة مُحاكة من الغرب، يساهم في استِلشاقِهم، وبالتالي إصابتهم بهذا الوباء… وأنا أعتقد أنّ الإصابات سوف تتخطى عتبة الـ 4000 إصابة في الأسبوع المقبل إذا لم تكن أكثر…”.

أرقام كورونا الصادمة في لبنان تحتّم على كل إنسان أن يَرعوي وينتبه إلى نفسه قبل أن ينتبه إلى عائلته، فمَن لم يُصب بهذا الداء إلى الآن مرشّح لأن يصاب به في المستقبل… فلنتّعِظ ولننتبه.

 

طوني طراد

 

 

طوني طراد

كاتب وصحافي لبناني. حائز على ماجستير في اللغة العربية من الجامعة اللبنانية. صدر له عدة دراسات سياسية وأدبية ابرزها كتاب "صورة المرأة في شعر ميشال طراد".

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى