أزمة داخل “جيش الجولاني”.. صراع الفصائل على النفوذ يطفو إلى السطح مجدداً

تتصاعد المؤشرات حول أزمة داخل “جيش الجولاني” التذي بات يعتبر بمثابة “الجيش السوري”، في وقت تشير معلومات وتقارير متداولة إلى أن حالة الاستنفار العسكري الأخيرة لا ترتبط بالحدود اللبنانية أو العراقية، بل تعكس صراعاً على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية التي تشكلت من فصائل متعددة احتفظت بجزء كبير من قياداتها وشبكات قوتها السابقة.
وبحسب المصادر شهدت دمشق خلال الساعات الماضية توتراً أمنياً تزامن مع معلومات تحدثت عن وصول الاشتباكات إلى محيط القصر الرئاسي، بالتوازي مع تحركات عسكرية في مدينة حماة، حيث أفادت مصادر محلية بانتشار تعزيزات أمنية وعسكرية قرب مقرات الفرقة 25 ومداخل المدينة، وسط أنباء عن إعادة ترتيب داخل عدد من التشكيلات العسكرية، دون صدور رواية رسمية توضح طبيعة هذه التحركات.
كما تداولت مصادر مختلفة معلومات عن استدعاء عدد من القيادات العسكرية إلى اجتماعات أمنية، ترافقت مع إجراءات مشددة وسحب وسائل اتصال من بعض الشخصيات، إضافة إلى أنباء عن اعتقالات طالت قيادات بارزة. في المقابل، تحدثت مصادر أخرى عن استمرار بعض القادة في مواقعهم، ومن بينهم العميد محمد الجاسم المعروف بـ”أبو عمشة”، حيث أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأنه لا يزال يمارس مهامه بعد اجتماع مع القيادة العسكرية، مع تكليفه بقيادة فيلق المنطقة الوسطى في وزارة الدفاع، ما يعكس تضارب المعلومات حول طبيعة الإجراءات الجارية.
وتكشف هذه التطورات حجم التعقيد داخل المؤسسة العسكرية الجديدة، التي لم تتشكل من جيش تقليدي موحد، بل من اندماج فصائل مسلحة نشأت خلال سنوات الحرب، لكل منها تاريخها العسكري وقياداتها ومصالحها الخاصة.
فالخلافات بين الفصائل التي تشكل اليوم أساس المؤسسة العسكرية ليست جديدة، إذ تعود إلى سنوات الصراع داخل مناطق المعارضة، حيث شهدت العلاقة بين هيئة تحرير الشام والفصائل المنضوية لاحقاً تحت مسمى “الجيش الوطني السوري” مراحل طويلة من التوتر والاقتتال، شملت اعتقالات متبادلة ومعارك للسيطرة على مناطق النفوذ والمعابر ومصادر التمويل.
ومنذ انقسام مناطق المعارضة عسكرياً وخدمياً عام 2017 بين إدلب ومناطق شمال حلب، بقيت العلاقة بين الطرفين محكومة بالتنافس. فقد سعت هيئة تحرير الشام إلى تكريس نفوذها في مناطق سيطرتها، بينما تشكل “الجيش الوطني” بدعم تركي عام 2019 من مجموعة فصائل كانت تواجه تمدد الهيئة وتبحث عن إطار عسكري موحد.
ورغم سنوات العداء، ظهرت لاحقاً محاولات تقارب وتنسيق بين بعض القيادات، سواء عبر لقاءات غير معلنة أو تصريحات تحدثت عن إمكانية توحيد الصفوف، إلا أن ذلك لم يُنهِ التباينات العميقة بين مشروعين عسكريين نشآ في ظروف مختلفة.
ويبرز اسم محمد الجاسم “أبو عمشة” ضمن أكثر الشخصيات إثارة للجدل في هذا السياق، بسبب امتلاكه نفوذاً عسكرياً واقتصادياً داخل التشكيلات التي قادها، إضافة إلى الخلافات التي رافقت مسيرته داخل فصائل الشمال، وهو ما جعله أحد أبرز اللاعبين في معادلة إعادة ترتيب القوى داخل المؤسسة العسكرية الحالية.
ويرى مراقبون أن التحركات الأخيرة قد تكون جزءاً من محاولة تقودها القيادة في دمشق لإعادة هندسة ما يسمى “الجيش السوري”، عبر تقليص نفوذ القادة الذين يحتفظون بقواعد قوة مستقلة، وتحويل الفصائل السابقة إلى مؤسسة عسكرية أكثر مركزية تخضع لقرار واحد.
لكن هذه المهمة تبدو معقدة، لأن عملية الدمج لم تُنهِ بالكامل البنية الفصائلية القديمة، بل نقلتها إلى داخل المؤسسة الجديدة، حيث ما تزال الولاءات السابقة والتنافس بين القيادات عاملاً مؤثراً في شكل الجيش ومستقبله.
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن الاستنفار بقي داخل الثكنات والمقار العسكرية، من دون مؤشرات مؤكدة على تحركات باتجاه الحدود، ما يعزز فرضية أن المواجهة الحالية مرتبطة بإعادة ترتيب الداخل أكثر من ارتباطها بعمل عسكري خارجي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه سلطة الأمر الواقع في دمشق تحديات كبيرة في إدارة المؤسسة العسكرية، وسط انتقادات لنهجها ذي الخلفية السلفية المتشددة، ومحاولتها إعادة تشكيل الأجهزة العسكرية والأمنية وفق نموذج مركزي يضمن إنهاء تعدد مراكز القرار.
وبينما تسعى القيادة الحالية إلى بناء جيش موحد يدين بالولاء الكامل لها، يبقى السؤال الأساسي حول قدرة هذا المشروع على تجاوز إرث الفصائل والصراعات القديمة، أم أن المؤسسة العسكرية الجديدة ستبقى تحمل داخلها تناقضات المرحلة السابقة التي لم تُحسم بعد.



