د. بسام أبو عبدالله: الدول لا تبنى بالشعارات ولا تُدار بالمغالطات

تناول الدكتور بسام أبو عبدالله في مقال بعنوان “منطق ولو طارت.. كيف يُغتال العقل في النقاش السوري؟” واقع الخطاب السياسي في سوريا، معتبراً أن النقاش العام بات محكوماً بجملة من المغالطات المنطقية التي تحول دون معالجة القضايا المطروحة، وتستبدل الحوار بالإجابات الجاهزة بعيداً عن مناقشة الوقائع.
ويرى أبو عبدالله أن الاستقطاب السياسي في المراحل الانتقالية يُعد أمراً طبيعياً، إلا أن غير الطبيعي، بحسب تعبيره، هو أن تتحول أي محاولة لانتقاد قرار اقتصادي أو أداء مؤسسة أو المطالبة بتطبيق القانون إلى ردود ثابتة تستحضر الماضي أو تتهم المنتقدين بالسعي لإعادة النظام السابق، معتبراً أن هذا الأسلوب يمثل مغالطة منطقية تُعرف بـ”ماذا عن…”، إذ يجري تحويل مسار النقاش بدلاً من الإجابة عن الأسئلة المطروحة.
ويؤكد الكاتب أن الاعتراف بما شهدته سوريا من استبداد وفساد في العقود الماضية لا يمنح أي سلطة حالية حصانة من النقد أو المساءلة، مستشهداً بتجارب دول مثل ألمانيا وجنوب أفريقيا ورواندا، التي اعتمدت بناء المؤسسات والمحاسبة بدلاً من الاكتفاء باستحضار الماضي لتبرير الحاضر.
وفي جانب آخر، يناقش أبو عبدالله مفهوم “الأغلبية”، موضحاً أن الديمقراطيات الحديثة تقوم على أغلبية سياسية تتشكل عبر انتخابات ويمكن أن تتغير، وليس على أغلبية مذهبية أو دينية، محذراً من أن ربط الشرعية بالهوية الطائفية يقود إلى دولة هوية بدلاً من دولة المواطنة، ويقوض مبدأ المساواة بين المواطنين.
كما ينتقد الكاتب الخطابات التي تتحدث عن تحويل سوريا إلى مركز اقتصادي إقليمي أو “سنغافورة الشرق الأوسط” دون تقديم خطط واضحة لتحقيق ذلك، مشيراً إلى أن الدول لا تبنى بالشعارات أو الاتفاقيات وحدها، وإنما عبر مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وتشريعات مستقرة، ومعدلات نمو وإنتاج واستثمار تعكس واقع الاقتصاد.
ويرفض أبو عبدالله الربط بين انتقاد السلطة الحالية والحنين إلى النظام السابق، معتبراً أن من حق المواطن رفض أخطاء الماضي والحاضر في آن واحد، وأن النقد يمثل أداة لتصحيح المسار في الدول القوية، بينما يؤدي اعتباره تهديداً إلى إضعاف الرقابة والمساءلة.
ويشير المقال إلى أن أخطر ما يواجه المجتمعات هو تحول السياسة إلى حالة من الإيمان المطلق، بحيث تصبح السلطة دائماً على صواب، وتُفسر الإخفاقات بالمؤامرات أو بإرث الماضي، بينما يُتهم كل منتقد بالخيانة أو الحقد، وهو ما يؤدي، وفق الكاتب، إلى تعطيل التفكير النقدي وإغلاق باب الحوار.
ويخلص الدكتور بسام أبو عبدالله إلى أن مستقبل سوريا يتطلب بناء ثقافة سياسية قائمة على المواطنة وسيادة القانون، ووجود مؤسسات مستقلة ومحاسبة للمسؤولين، وضمان حق المواطنين في النقد دون خوف، مؤكداً أن الدول لا تُبنى بالتصفيق أو بالشعارات، بل بالشفافية والمساءلة واحترام العقل، وأن المجتمع الذي يستبدل النقاش بالمغالطات سيبقى عاجزاً عن تجاوز أزماته.



