ملفات ساخنة

لبنان والعراق: عندما تصبح مكافحة الفساد رهينة الصراع بين القانون والنفوذ

بقلم: د. هشام الأعور

​بينما تنشغل الساحات الإقليمية—ومنها التجربة العراقية مؤخراً—بمحاولات، ولو خجولة، لتحريك ركود الملفات القضائية بحق مسؤولين متهمين بالفساد، يجد اللبناني نفسه أمام سؤال مرير ومكرر: لماذا تبدو الدولة هنا عاجزة بنيوياً عن إحداث قطيعة مع منظومة الفساد؟ الإجابة عن هذا التساؤل تتجاوز مجرد لوم “أخلاقيات” الأفراد أو الحديث التقليدي عن “سوء الإدارة”؛ فالأزمة في جوهرها ليست انحرافاً عارضاً، بل هي “نمط مؤسسي” هندس بذكاء ليجعل من الريع والمحسوبية المحركين الأساسيين للحياة العامة.
​إذا أردنا قراءة المشهد من منظار علم الاجتماع السياسي والاقتصادي، نجد أن الحالة اللبنانية تمثل نموذجاً صارخاً لما سماه المفكران عاصم أوغلو وروبنسون “المؤسسات الاستخراجية” (Extractive Institutions). في هذا النموذج، تنجح نخب مغلقة في تصميم القوانين والآليات الإدارية بغرض وحيد: تركيز المنافع والموارد في أيدي فئات محدودة، على حساب الإنتاجية المجتمعية الكلية. وضمن هذا السياق، تفقد المؤسسات الرقابية قدرتها الفطرية على المساءلة، وتتحول—كما يرى عالم الاقتصاد دوغلاس نورث—إلى بيئة تولد حوافز مكافئة للولاء السياسي والمحاصصة، بدلاً من الكفاءة والمحاسبة.
​ولم يكن انفجار الأزمة المالية في خريف عام 2019 سوى النتيجة الحتمية لعقود من هذا التراكم البنيوي. لقد التقت السياسات النقدية والمالية غير المستدامة مع عجز مالي مزمن، واستسهال في تراكم الدين العام، وتغييب متعمد لاستقلالية القضاء وأجهزة الرقابة. هذا التقاطع القاتل أدى إلى انهيار متسارع في سعر الصرف، ذوبان القدرة الشرائية للمواطنين، وتعثر دراماتيكي للقطاع المصرفي احتُجزت على إثره أموال المودعين.
​وما زاد من عمق الجرح الإنساني والاقتصادي للأزمة، هو التفاوت الحاد في تحمل الخسائر؛ حيث برزت معطيات وتحقيقات إعلامية ومطالبات حقوقية تشير إلى تحويل رساميل ضخمة إلى الخارج من قبل جهات نافذة، في وقت كان فيه المواطن العادي يواجه قيوداً مشددة حتى على سحب مذكرات عيشه اليومي. ورغم أن حسم قانونية هذه التحويلات وتحديد المسؤوليات الجنائية يظلان حكراً على الأحكام القضائية النهائية، إلا أن مجرد حدوث هذا التفاوت في التعامل عمّق من أزمة شرعية النظام المالي ككل.
إن الكلفة الحقيقية للأزمات الكبرى لا تُقاس فقط بالأرقام الضائعة أو الميزانيات المهدورة، بل بانهيار “رأس المال الاجتماعي” المتمثل في الثقة. فالاقتصاد الحديث لا يتحرك بدون الثقة بالقضاء، والثقة بالعقود، والثقة بالنظام المصرفي. وعندما يترسخ الانطباع بأن القانون ليس مسطرة واحدة تطبق على الجميع، تتبخر رغبة الاستثمار، وتنكفئ التنمية، وتتحول الدولة إلى مجرد هيكل شكلي بلا روح.
​تخبرنا تجارب التاريخ المقارن أن النجاة من هذه الوهدة لا تتحقق بالشعارات الرنانة أو الحملات الإعلامية الظرفية، بل بـهندسة عكسية للمنظومة برمتها. إن الدول التي عبرت نحو الحوكمة الرشيدة ركزت على تحصين استقلال القضاء، حماية كاشفي الفساد، وفرض الشفافية المطلقة في الإنفاق العام، والعمل على استرداد الأموال المنهوبة عبر تفعيل الاتفاقيات الدولية، لاسيما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
​في المحصلة، إن المحك الحقيقي لشرعية أي دولة لا يكمن في “إعلان الحرب” الشفهية على الفساد، بل في القدرة على تحويل تلك الوعود إلى أحكام قضائية نافذة ترسخ المساواة أمام القانون. مكافحة الفساد ليست حدثاً موسمياً، بل هي مشروع مؤسسي طويل الأمد، يبدأ وينتهي بحقيقة واحدة: لن يستقيم اقتصاد، ولن تُستعاد ثقة، ما لم يرتفع القانون ليكون المرجعية العليا والوحيدة التي تخضع لها الرقاب والرساميل دون استثناء أو مواربة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى