سياسةملفات ساخنة

“اتفاق الإطار” كصاعق تفجير للاستقطاب اللبناني: قراءة في أبعاد الانقسام الداخلي وإعادة تشكيل البيئة السياسية

بقلم: د. هشام الأعور

​يمثل “اتفاق الإطار” المعقود بين لبنان وإسرائيل برعاية وإشراف مباشر من الولايات المتحدة، تحولاً جيوسياسياً بارزاً لا تقتصر مفاعيله على الترتيبات الأمنية والحدودية، بل تمتد لتُحدث تحولا في بنية الاصطفافات السياسية اللبنانية. ومن منظور التحليل الاستراتيجي، لم يعد هذا الاتفاق مجرد وثيقة تقنية لوقف الأعمال العدائية، بل تحول إلى صاعق فجّر الانقسام الداخلي العمودي، معيداً رسم خريطة الصراع السياسي في البلاد، ومظهراً انقساماً حاداً حول مفاهيم السيادة، الأمن القومي، وإدارة عناصر القوة الوطنية.
​ويمكن تفكيك هذا المشهد المعقد ومساراته المتداخلة من خلال المحاور الاستراتيجية التالية:
​أولاً: ديناميكيات التفاوض وتحولات موازين القوى
​تثير الآلية الدبلوماسية التي أنتجت الاتفاق معضلة نظرية وسياسية حول مدى التناسب بين المنجز العسكري والمكسب السياسي. وبرز في هذا السياق تباين واضح في القراءة بين خيارين تفاوضيين طبعاً المشهد السياسي اللبناني:
​مسار التهدئة الإقليمية: خيار كان يميل لربط التهدئة بالمسارات الإقليمية الأوسع وتفاهمات التهدئة غير المباشرة (محادثات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران) ، بغية تحقيق وقف إطلاق نار كمعطى أولي دون الاضطرار لتقديم أثمان سياسية أو التزامات سيادية منفردة.
​مسار التفاوض المباشر: خيار السلطة السياسية اللبنانية الذي فضّل حصر التفاوض في القناة الأميركية المعينة، مستنداً إلى واقع الضغط الميداني والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في الجنوب، والتي يُنظر إليها كأداة ضغط واختبار ميداني مستمر لقياس ردود الفعل واستطلاع جاهزية المقاومة.
​ثانياً: الاستقطاب اللبناني الحاد حول مضامين الاتفاق
​يتعمق الانقسام اللبناني حول “اتفاق الإطار” ليلامس العصب السياسي للبلاد، حيث يتبلور مشهد استقطابي حاد بين مقاربتين متناقضتين تماماً:
​جبهة الرفض والاعتراض: يتسع نطاق المعترضين الذين يعتبرون أن السلطة اللبنانية قد تسرعت في تقديم التزامات واسعة تمس بسيادة الدولة. وتنطلق هذه الرؤية من أن التنازلات الممنوحة في نص الاتفاق تمنح الجانب الإسرائيلي مكاسب سياسية ودبلوماسية عجز عن انتزاعها عبر الآلة العسكرية في الميدان، مما يجعله اتفاقاً هشاً بُني على اختلال مؤقت في توازنات القوى يفتقر إلى مقومات الاستقرار البنيوي.
​جبهة الدفاع والبراغماتية السياسية: في المقابل، يدافع فريق آخر عن الاتفاق انطلاقاً من حسابات ترتبط مباشرة بالصراع التوازني الداخلي ومواجهة “حزب الله”. وترى هذه القوى أن تقديم تنازلات ضمن إطار دولي وبإشراف أميركي يمثل خياراً استراتيجياً أفضل من الانخراط في حوار داخلي غير منتج مع حزب الله وحلفائه. وتهدف هذه المقاربة إلى الاستفادة من المظلة الدولية لفرض واقع جديد يفضي حتماً إلى معالجة ملف سلاح المقاومة وإعادة صياغته ضمن استراتيجية وطنية جامعة للأمن والدفاع تقودها الدولة وحدها.
​ثالثاً: عُزلة الحسابات السياسية وإعادة توزيع النفوذ
​أدى هذا التحول الجيوسياسي إلى دخول العديد من القوى السياسية في مرحلة يمكن وصفها بـ”عزلة الحسابات”؛ إذ تبين أن الرهانات السياسية السابقة التي بنيت على فرضية الانكفاء الحتمي لبعض محاور القوة لم تترجم إلى مكاسب تلقائية. وبدلاً من ذلك، تتجه الضغوط الأميركية والدولية إلى التوسع في المسرح اللبناني عبر أدوات سياسية وقضائية وأمنية متعددة، بهدف إعادة تشكيل البيئة المحلية برمتها والحد من نفوذ حزب الله وحلفائه، مما يضع القوى السياسية التقليدية أمام معادلات نفوذ مغايرة تماماً لما خططت له.
​رابعاً: الاستنتاجات الاستراتيجية وآفاق المستقبل
​تُظهر القراءة الموضوعية للتاريخ السياسي اللبناني الحديث أن نجاح الترتيبات الدولية لا يقترن بحجم الدعم الخارجي أو بموازين القوى لحظة التوقيع، بل بمدى قدرتها على إنتاج شرعية سياسية واجتماعية مستقرة في الداخل عبر حد أدنى من التوافق الوطني.
​وفي ظل غياب هذا الإجماع، فإن المؤشرات الحالية لا توحي باتجاه تثبيت تهدئة طويلة الأمد، بل تنذر بتحول “اتفاق الإطار” من أداة للاستقرار إلى مادة دسمة للصراع الداخلي الشديد. فالأطراف الرافضة للاتفاق تمتلك القدرة على إعادة تنظيم صفوفها والتعامل مع الضغوط، مما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد وجهة الساحة اللبنانية: إما صياغة توازنات قسرية جديدة، أو انزلاق البلاد تحت وطأة انقسامها العمودي إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار السياسي والأمني الشامل.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى