الكونغرس المسيحي السوري: خيار تنظيم الذات في مواجهة الفكر الإقصائي

شهدت الساحة السياسية السوري تحولاً بارزاً مع إعلان تأسيس “الكونغرس المسيحي السوري” كإطار مدني تنظيمي جامع وكتلة وطنية مستقلة تعبّر عن المسيحيين السوريين في الداخل والاغتراب. وتأتي هذه الخطوة السياسية والمؤسسية المتكاملة لتقدم قراءة دقيقة للواقع الراهن، واضعة النقاط على الحروف كفعل وطني مشروع يهدف إلى تنظيم الذات وضمان استمرار الشراكة الوطنية على أساس المساواة الكاملة في دولة القانون، رافضاً بوضوح قاطع محاولات تهميش المكونات السورية الأصيلة أو تحويلها إلى مجرد أرقام ثانوية أو “ديكور تجميلي” في المشهد العام.
ويأتي هذا الحراك رداً سياسياً وميدانياً مباشراً على طبيعة التحديات الوجودية غير المسبوقة التي فرضتها سلطة الجولاني في دمشق؛ هذه السلطة التي تهيمن على مقاليد الحكم بنهجها السلفي التكفيري، مسببة تآكلاً حاداً في مفهوم المواطنة المتساوية وغياباً كاملاً لسيادة القانون وتدميراً لبنية المؤسسات. وفي القراءة السياسية لهذا التحول، يظهر أن غياب الكيان المؤسساتي الجامع وهيمنة الفكر الإقصائي التكفيري لسلطة الأمر الواقع، دفع النخب المسيحية السورية إلى كسر حاجز الصمت والتحرك نحو مأسسة صوتها للدفاع عن مصالحها الجماعية بمسؤولية، واستقلالية تامة عن أي أحزاب أو تيارات أيديولوجية أو قوى خارجية.
وترتكز الرؤية السياسية لهذا الكيان الجديد على حتمية بناء دولة مدنية حديثة تفصل المؤسسات الدينية عن الشؤون السياسية مع احترام دور الأديان الثقافي والاجتماعي، وتقوم على المواطنة المتساوية أمام القانون دون تمييز، مع الرفض المطلق لنظام المحاصصات الطائفية. كما يركز التحليل على الجوانب الحقوقية الضاغطة، حيث يطالب الكونغرس بحماية حقوق الملكية العقارية للمهجرين، وتفعيل عدالة انتقالية حقيقية تكشف مصير المعتقلين والمختفين قسرياً وتحاسب مرتكبي الانتهاكات، مع الالتزام التام بالمرجعيات الدولية وفي مقدمتها القرار 2254 لضمان انتقال سياسي حقيقي. وفي خضم هذا الواقع العسكري المتشدد، يمد الكونغرس يده لكل القوى الوطنية السورية المؤمنة بالديمقراطية والتعددية، مؤكداً على أن الحضور المسيحي في سوريا متجذر وأصيل منذ فجر التاريخ وليس تفصيلاً عابراً يبحث عن حماية، مرسخاً قاعدة سياسية تفرض نفسها على المستقبل بأن الكرامة أولاً، والأمان شرط البقاء، وبأن هذا البقاء لا يمكن أن يتحقق إلا في دولة قانون.



