اغتيالات على الهوية في حماة.. رصاص التكفير يضرب الحرم الجامعي وريف الغاب

شهدت محافظة حماة يوم أمس تصعيداً أمنياً خطيراً يعكس عمق الانحدار الذي تعيشه المناطق الخاضعة لسلطة الأمر الواقع في دمشق، حيث تداخلت دماء طلبة العلم بدماء المدنيين في مشهدٍ يؤكد عودة الاغتيالات الممنهجة على أساس الهوية الطائفية. ففي حرم السكن الجامعي بمدينة حماة، تعرض الطالب “ليث أيمن عثمان” لمحاولة اغتيال غادرة نُقل على إثرها إلى العناية المشددة في حالة صحية حرجة، بالتزامن مع هجوم مسلح استهدف قرية “الخندق” في ريف حماة الغربي، وأسفر عن مقتل شابين بدم بارد، لترسم هذه الحوادث المتزامنة ملامح واضحة لنهج إقصائي عنيف يستهدف مكونات بعينها.
وفي تفاصيل الجريمة الأولى، تتربص سيارة جيب فضية ذات زجاج داكن بالطالب ليث عثمان، المنحدر من مدينة القرداحة وطالب السنة الخامسة في كلية الطب البيطري، أثناء عودته من تقديم امتحانه العملي؛ حيث أطلق مسلحون مجهولون ثلاث رصاصات من سلاح كاتم للصوت، استقرت إحداها في منطقة الكبد، مما أدى إلى تدهور وضعه الصحي بشكل خطير، وسط محاولات من إدارة الجامعة للتعتيم على الواقعة ومحاصرة تداعياتها الإعلامية. ولم تكد تمضي ساعات قليلة حتى اقتحم مسلحون يستقلون دراجات نارية قرية “الخندق” الواقعة في سهل الغاب بريف حماة الغربي، وأطلقوا النار بشكل مباشر على أحد المحال التجارية، مما أدى إلى مقتل الشابين “بشار دربالا” و”صالح ابراهيم” على الفور، في هجوم أكد سكان محليون ومراقبون أنه جاء بدافع الانتقام الطائفي البحت، نظراً لعدم وجود أي خصومات شخصية أو دوافع جنائية للسرقة.
تتجاوز هذه الأحداث حدود الفلتان الأمني العابر لتكشف عن القراءة السياسية العميقة لطبيعة الحكم الحالي في سوريا؛ إذ يرى محللون أن هذه الجرائم تمثل التطبيق العملي للنهج السلفي التكفيري الذي تتغذى عليه الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للسلطة الحاكمة في دمشق بقيادة الجولاني. إن استهداف الطلاب والمدنيين بناءً على خلفياتهم الطائفية يندرج ضمن سياسة “التطفيش” والتهجير القسري الممنهج للكفاءات والأقليات، بهدف تفريغ المؤسسات التعليمية والمناطق الحيوية من نسيجها السوري الأصيل، وإحلال عناصر موالية أو شخصيات تفتقر إلى الأهلية العلمية والفكرية في المقاعد الدراسية والمناصب الإدارية، ما يهدد بتدمير ما تبقى من الهوية التعليمية والاجتماعية في البلاد.
وتكشف هذه الوقائع زيف الخطاب الإعلامي الذي تحاول السلطة الترويج له حول فرض الاستقرار وبناء دولة المؤسسات، إذ يثبت الواقع أن “كاتم الصوت” والدراجات النارية المفخخة بالأيديولوجيا التكفيرية هي الأدوات الحقيقية لإدارة المشهد. وفي ظل غياب أي محاسبة حقيقية للجناة، وتواطؤ المؤسسات الرسمية عبر الصمت والتعتيم، يجد آلاف الطلاب والمدنيين أنفسهم تحت تهديد تصفية الحسابات المفتوحة، مما يضع مستقبل البلاد على حافة انهيار مجتمعي شامل تقوده سلطة أمر واقع شرعنت الجريمة وجعلت من الهوية تهمة تستوجب القتل.



