سياسة

إسرائيل ترفض التنازل في روما وتضغط بالنار: إلى أين يتجه اتفاق الإطار؟

جوزفين ديب - اساس ميديا

تحوّلت مفاوضات روما إلى اختبار حقيقيّ لإمكان الانتقال من اتّفاق الإطار إلى تنفيذه على الأرض. فالجلسات لم تكن تبحث في اتّفاق جديد، بل في الإجابة عن سؤال أكثر تعقيداً: هل باتت الأطراف، وخصوصاً إسرائيل، مستعدّة للانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ؟ حتّى الآن، تبدو الإجابة متناقضة. فبينما خرج الجانب اللبنانيّ بانطباع أنّ إبقاء المفاوضات مفتوحة يشكّل فرصة لمراكمة التقدّم، عكست المواقف الإسرائيليّة، وما رافقها من تصعيد ميدانيّ، اتّجاهاً مختلفاً تماماً، فيما انشغلت واشنطن بمحاولة منع انهيار المسار أكثر من قدرتها على فرض اختراق فيه.

تتحدّث القراءة الدبلوماسيّة التي تواكب المفاوضات عن ثلاثة مسارات متوازية: يحاول لبنان تثبيت آليّة تؤدّي تدريجاً إلى تنفيذ اتّفاق الإطار، وتستخدم إسرائيل الميدان لرفع سقف شروطها، لا سيما أنّها مقبلة على انتخابات قريبة، بينما تتحرّك الولايات المتّحدة بين الطرفين لمنع انهيار المسار وتأجيل نقاط الخلاف الكبرى بدلاً من حسمها.

في هذا السياق، لم يكن الخبر الذي نشرته وسائل إعلام إسرائيليّة عن تعليق الوفد الإسرائيليّ مشاركته في مفاوضات روما بذريعة “التسريبات اللبنانيّة”، سوى مؤشّر إضافيّ إلى حجم التباعد داخل القاعة. بحسب معلومات “أساس” لم يكن الوفد الإسرائيليّ يرغب أساساً في استكمال اليوم الثالث من المفاوضات، وكان يميل إلى إنهاء الجولة في اليوم الثاني، قبل أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة دفعت تل أبيب إلى العودة إلى الطاولة حفاظاً على استمرار المسار التفاوضيّ.

العِقد بقيت في الملفّات الكبرى

بحسب المعلومات، لم تكن الخلافات داخل قاعة المفاوضات محصورة بالملفّات السياسيّة الكبرى، بل امتدّت إلى ملفّات تقنيّة وعسكريّة فرضت نفسها على النقاش. فالتصعيد الذي شهده الجنوب خلال الجلسات انعكس مباشرة داخل القاعة، وأدّى إلى توتّر واضح في النقاشات، فيما استحوذ ملفّ الحدود البرّية على جزء من البحث، ولا سيما الاستعانة بخبراء مساحة لإعادة تظهير أجزاء واسعة من الحدود بعدما غيّر الدمار معالم عدد من النقاط الحدوديّة. كان النقاش أيضاً في ملفّ الأسرى حيث طالبت إسرائيل بمقايضاتٍ أوراقُها والملفت أنّها ليست كلّها في لبنان.

إلّا أنّ هذه الملفّات بقيت، بالنسبة إلى المشاركين، ملفّات جانبيّة قياساً بالعقد الأساسيّة التي لم يُسجّل فيها أيّ تقدّم فعليّ. فلبنان كان يطمح إلى تحقيق خرق في ثلاث قضايا تُعتبر أساس أيّ انتقال إلى التنفيذ:

– تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الخروقات الإسرائيليّة.

– انسحاب إسرائيل من المناطق التي يطالب بها لبنان.

– توسيع المناطق التجريبيّة بما يسمح للجيش اللبنانيّ بالانتشار وفق الآليّة التي تتمسّك بها بيروت.

إلّا أنّ المواقف بقيت متباعدة، ولم تظهر أيّ مؤشّرات إلى استعداد إسرائيلي لتقديم تنازل في أيّ من هذه العناوين.

واشنطن تمنع الانهيار… ولا تستطيع فرض الخرق

تقول مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” إنّ الأميركيّين أدركوا منذ الساعات الأولى أنّ الفجوة بين الموقفين اللبنانيّ والإسرائيليّ أكبر من أن تُردم خلال جولة واحدة. وهذا ما ألمح إليه بيان السفارة الأميركيّة في بيروت قبل بدء المفاوضات.

تمسّك الوفد اللبنانيّ بأن يبدأ تنفيذ الاتّفاق بانسحاب إسرائيليّ من المناطق التجريبيّة بما يسمح للجيش اللبنانيّ بالانتشار فيها، باعتبار أنّ نجاح أيّ نموذج ميدانيّ يحتاج إلى خطوة إسرائيليّة أولى تثبت جدّية التنفيذ.

في المقابل، أصرّت إسرائيل على مقاربة مختلفة تقوم على إدخال الجيش اللبنانيّ إلى مواقع تعتبرها مرتبطة بـ”الحزب” خارج المناطق المحتلّة، من دون تقديم أيّ انسحاب إسرائيليّ فعليّ في المرحلة الأولى، وهو ما رفضه لبنان باعتباره يقلب منطق الاتّفاق ويحوّل المناطق التجريبيّة إلى اختبار أحاديّ الجانب.

تقول المصادر إنّ واشنطن حاولت تقريب وجهات النظر عبر البحث عن صيغ وسط، إلّا أنّ العقبة الأساسيّة بقيت في غياب أيّ التزام إسرائيليّ بخطوة ميدانيّة أولى يمكن البناء عليها لاحقاً.

المفاوضات

إذا كانت أجواء القاعة قد عكست حجم التباعد السياسيّ، فإن الميدان تولّى تقديم الجواب العمليّ. بحسب مصادر عسكريّة، لا يمكن فصل ما شهدته الساعات الثماني والأربعون الماضية عن مسار المفاوضات، إذ حملت الضربات الإسرائيليّة الأخيرة رسائل عسكريّة وسياسيّة دقيقة، بدت وكأنّها ردّ مباشر على الطروحات اللبنانيّة في روما أكثر منها عمليّات أمنيّة اعتيادية.

تلفت المصادر إلى أنّ الغارة التي استهدفت البرج الشماليّ اكتسبت أهمية استثنائيّة، لأنّها المرّة الأولى منذ وقف إطلاق النار التي تُنفّذ فيها غارة خارج الخطّ الأصفر، في رسالة تعكس استعداد إسرائيل لتوسيع هامش عمليّاتها العسكريّة متى أرادت.

تزامن ذلك مع ما جرى في المنصوري، حيث أدّت الاعتداءات الإسرائيليّة وما رافقها من تطوّرات أمنيّة إلى اضطرار الجيش اللبنانيّ إلى الانسحاب من الموقع، في خطوة ترى فيها المصادر نموذجاً لما تحاول إسرائيل فرضه لاحقاً في مناطق أخرى، من خلال خلق ظروف ميدانيّة تجعل انتشار الجيش أكثر صعوبة وتوفّر لتل أبيب ذرائع لتوسيع عمليّاتها.

تقول مصادر سياسيّة لـ”أساس” إنّ رفض إسرائيل توسيع المناطق التجريبيّة، بالتوازي مع افتعال أحداث أمنيّة متنقّلة، يعكس تحضيراً تدريجيّاً لمرحلة أكثر حساسيّة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيليّة. فمنطقة عليّ الطاهر تبقى في صلب الحسابات العسكريّة الإسرائيليّة، فيما تشير المعطيات إلى أنّ “الحزب” بدوره يرفع مستوى الاستعداد لأيّ محاولة إسرائيليّة للتقدّم نحو هذه المنطقة، وهو ما يجعلها المرشّح الأوّل لأيّ مواجهة إذا تعثّر المسار السياسيّ.

على الرغم من ارتفاع مستوى الرسائل العسكريّة، لا ترى مصادر دبلوماسيّة أنّ إسرائيل اتّخذت قراراً بالذهاب إلى حرب شاملة. فالقراءة الدبلوماسيّة تشير إلى أنّ التصعيد لا يزال مضبوطاً ضمن نطاق جغرافيّ محدّد يمتدّ من الجنوب ومحيط عليّ الطاهر وصولاً إلى الليطاني وما بعده أحياناً، فيما لا توجد حتّى الآن مؤشرات جدّية إلى نيّة توسيعه نحو بيروت أو العمق اللبنانيّ.

لكنّ الرسالة التي خرجت بها روما تبقى واضحة: تعثّر التفاوض في القاعة، وتصعيد في الميدان. حتّى الآن، تبدو إسرائيل مستعدّةً لتعديل الوقائع على الأرض أكثر منها لتعديل مواقفها على طاولة المفاوضات حيث تدفع تل أبيب الدولة باتّجاه اتّخاذ إجراءات من شأنها إرباك الداخل اللبنانيّ وتحقيق مصلحتها. أمّا واشنطن فتواصل محاولة إبقاء مسار التفاوض حيّاً بانتظار لحظة سياسيّة تسمح بتحقيق اختراق لم تنضج ظروفه بعد.

 

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى