
تجد إسرائيل نفسها اليوم أمام واقع استراتيجي مأزق ومعقد، فرضته مخرجات المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، وسط شعور متزايد بالتهميش وفقدان السيطرة على القرار بالتزامن مع ترتيبات إقليمية تُصاغ بعيداً عن الرغبة الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، وصف موقع “زمان إسرائيل” الوضع الحالي بـ”المروع”، مؤكداً أن تل أبيب باتت تُدار من بعيد بواسطة رئيس الولايات المتحدة، بينما تحولت الحكومة الإسرائيلية إلى سلطة قائمة على الورق فقط دون قدرة فعلية على توجيه الأحداث الإقليمية.
ويتجلى هذا الانكفاء بشكل صارخ على الجبهة اللبنانية؛ حيث نقلت القناة الثالثة عشرة الإسرائيلية عن مراسلها الموفد إلى مؤتمر جنيف، أور هيلر، تأكيده أن كل من حضر المؤتمر واستمع إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وهو يعرض نهج الإدارة الأميركية، يدرك تماماً أن المسألة قد حُسمت بالنسبة لواشنطن، وأن حربي إيران ولبنان قد انتهيتا حتماً.
هذا التطور يضع تل أبيب في ورطة استراتيجية عميقة بعد أن تُرِكت وحيدة في الميدان، لا سيما وأن البيان الختامي للمفاوضات يتحدث عن آلية واضحة لإنهاء الصراع في لبنان دون تقديم أي دور لإسرائيل أو حتى ذكرها في صلب الحدث، مما يعكس استبعاداً كاملاً لها من معادلة الصياغة الأمنية الجديدة.
وعلى الصعيد الميداني، بدأت تداعيات هذا الاتفاق تفرض تراجعاً عسكرياً ملموساً؛ فقد كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية نقلاً عن مصدر إسرائيلي مسؤول أن الجيش الإسرائيلي سيجد نفسه مضطراً للانسحاب جزئياً مما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، على أن يتولى الجيش اللبناني المسؤولية الكاملة في تلك المناطق، بما فيها قطاعات ليست تحت سيطرته حالياً، وذلك تحت رقابة أميركية مشددة. وتؤكد الصحيفة أن الشقوق الأولى في الجدار الإسرائيلي بدأت تظهر بقوة بفعل التوافق الأميركي الإيراني والتجاهل التام للمطالب الإسرائيلية، مشيرة في تحليلها إلى أن العالم الذي صُدم من الممارسات الإسرائيلية في غزة بدأ يتجه نحو محاسبة تل أبيب، وأن استمرار سياسات الاغتيالات وانتهاك السيادة والقانون الدولي لم يعد ممكناً من دون عواقب وخيمة، مما يفقد إسرائيل أهليتها كشريك في أسرة الأمم.
أمام هذا المشهد المعقد، حذر السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن، مايك هرتسوغ، من مغبة الذهاب نحو قطيعة مع الولايات المتحدة، موضحاً أن أي خطوة من هذا القبيل لن تفلح في إرجاع الاتفاق الأميركي الإيراني إلى الوراء، بل ستؤدي فقط إلى إرجاع إسرائيل وإضعافها سياسياً. وأشار هرتسوغ إلى أن تل أبيب تعيش حالياً في وضع استراتيجي متدنٍ تُحسم فيه القضايا المصيرية من خلف ظهرها وتُملى عليها الإملاءات الإقليمية فرضاً. وضمن محاولات استدراك هذا التدهور السريع وتدارس خيارات التعامل مع الواقع الجديد، ذكرت القناة الثالثة عشرة العبرية أن المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) بصدد عقد اجتماع طارئ يوم الخميس المقبل لمناقشة هذه التحولات المصيرية التي أعادت رسم الخارطة الأمنية للمنطقة بمعزل عن الرؤية الإسرائيلية.



