ملفات ساخنة

بين تحركات باريس ورسائل مخلوف: سوريا فصلًا جديدًا من إعادة ترتيب الحسابات إقليمياً ودولياُ؟

تشهد الساحة السورية تسارعًا لافتًا في التحركات السياسية والميدانية المتقاطعة، والتي تعيد فتح الملف السوري على احتمالات جديدة في ظل مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد. تمثلت أبرز هذه التطورات في الحراك الدبلوماسي الذي شهدته العواصم الأوروبية، حيث كشفت تسريبات إعلامية ومصادر مطلعة عن اجتماع رفيع المستوى جمع الجنرال مظلوم عبدي والجنرال مناف طلاس في العاصمة الفرنسية باريس، وهو الاجتماع الذي تزامن مع تحضيرات لزيارة مرتقبة لعبدي إلى هولندا. وفي أول رد فعل رسمي على هذا الحراك، استنكر دبلوماسي تابع لسلطة الأمر الواقع في دمشق هذه الجولة، مؤكدًا أن زيارة عبدي لعدد من الدول الأوروبية تمت دون أي تنسيق أو إذن مسبق من الخارجية في دمشق، معتبرًا أن عبدي لا يحمل أي صفة رسمية أو تفويض قانوني يخوله إجراء لقاءات سياسية، وأن استقباله من أطراف دولية يشكل تجاوزًا للأعراف الدبلوماسية وتدخلًا في الشؤون الداخلية السورية.

هذا الحراك الخارجي تزامن مع ضجة داخلية أثارها الظهور الأخير لرجل الأعمال رامي مخلوف، الذي تحدث في شريط مصور عن دخول البلاد “مرحلة خطرة”، محذرًا مما وصفه بمخطط لإحداث تغيير ديموغرافي يستهدف الوجود العلوي، ومعلنًا تصديه لهذا المسار عبر اتصالات دولية أسفرت – بحسب تعبيره – عن فرض الطائفة كركيزة أساسية في أي مشهد قادم، مقدمًا نفسه كـ”ممر وحيد” لأي تسوية مستقبلية. ويرى محللون أن إشارات مخلوف، وتوقيتها الذي يتقاطع مع تواريخ يجري الترويج لها مثل 26 حزيران، لا يمكن قراءتها كخلاف شخصي عابر، بل تعكس تحرك شبكات نفوذ قديمة وذاكرة مؤسساتية لم تمت، تستند إلى أوراق قوة اقتصادية واجتماعية، وذلك بالتزامن مع تصاعد الضغوط الدولية الكبرى على روسيا في ملفات أخرى، وعلى رأسها الملف الأوكراني.

في المقابل، يواجه المشهد الداخلي تحت سلطة الجولاني في دمشق تحديات متزايدة تتعلق بقدرته على ضبط إيقاع قادة الفصائل والعناصر ذوي الخلفيات المتشددة التابعة لتنظيمات مثل جبهة النصرة وداعش. وتتوارد تحليلات ومعلومات حول احتمالية تفكير سلطة الجولاني في المغامرة بعملية عسكرية باتجاه الداخل اللبناني واستهداف حزب الله، كخطوة لتقديم أوراق اعتماد للقوى الإقليمية والدولية تضمن بقاءه في السلطة. غير أن هذا السيناريو يصطدم – وفق قراءات استراتيجية – بمعادلة ردع حاسمة؛ إذ تمتلك الأطراف المقابلة، وعلى رأسها حزب الله، قدرة على صد هذا الهجوم والعبور نحو الداخل السوري لتأمين مناطق حيوية كحمص والساحل، مدعومة بتهديدات صريحة من إيران والحشد الشعبي العراقي بالتدخل العسكري المباشر للتصدي لفصائل الجولاني. كما أن مشاريع التمدد هذه، المدعومة من بعض الأطراف الساعية لإحياء نفوذ تاريخي عبر مقاتلين تركمان في مناطق كطرابلس وحمص، تفتقر إلى أي غطاء أو رضا دولي، وتواجه برفض حاسم من روسيا والصين وإيران، ودول عربية وازنة في مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية.

وعلى مستوى القراءة العميقة للخلفيات، يرى مراقبون أنه بعد عام ونصف من سيطرة سلطة الجولاني على دمشق أحدثت تحولًا جوهريًا في وعي الشارع السوري، حيث باتت الغالبية العظمى تنظر إلى الانهيار الحالي وتمزق العقد الاجتماعي كدليل على طبيعة هذه السلطة والفصائل والتنظيمات التي واجهتها الدولة السورية سابقًا برئاسة بشار الأسد. هذا التحول امتد إلى القراءات الدولية أيضًا، إذ فرض التراجع الواضح لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” واعتراف أطراف عدة بنفوذ المحور المقابل، قناعة إقليمية بأن استقرار المنطقة يتطلب إنهاء حكم الفصائل المصدرة للاستقرار السلبي والإرهاب لدول الجوار. ويبرز في هذا السياق استذكار تصريحات لمسؤولين إسرائيليين، من بينها اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عام 2025 بأن “الإطاحة ببشار الأسد لم تكن في صالح إسرائيل”، وهو ما يصفه غالبية المحللين السياسيين وزعماء الدول بأن الأسد رجل دولة معتدل يلتزم بالمعاهدات الدولية. وفي تطور لافت، نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي تصريحات للوزير عميحاي شيكلي قال فيها إن إسرائيل “ستكون في حالة حرب مع سوريا في الوقت القريب أو في المستقبل”، مضيفًا أن “سوريا وتركيا تمثلان تهديدًا أكثر إزعاجًا من إيران”. وفي الشأن التركي، أشار شيكلي إلى أن الرئيس رجب طيب أردوغان “يبني سوريا كموطئ قدم أمامي يمكن أن يُستخدم ضد إسرائيل”، مؤكدًا ضرورة بذل إسرائيل كل ما يتعلق بالعلاقات الخارجية لعزل تركيا. وتخلص هذه التصريحات إلى أن المعركة مع الفوضى والإرهاب في سوريا باتت أخطر من الملفات الأخرى.

وهذا التقييم الشامل للواقع السوري يضع القوى الكبرى والإقليمية أمام استنتاج متزايد مفاده أن إعادة ضبط الإيقاع الداخلي والخارجي لسوريا لا يمكن أن تتم إلا عبر استرداد الدولة الوطنية لمنظومتها ومؤسساتها القادرة تاريخيًا على إدارة الأزمات العسكرية والخدمية والدبلوماسية بكفاءة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى